أحداثالوعي الجمهوري

هل تم التلاعب بآخر قصائد البردّوني؟

 

عبدالوهاب الحراسي – خيوط

“رحلة ابن شاب قرناها” و”العشق في مرافئ القمر” هو كتاب ضمّ آخر قصائد أيقونة الشعر العربي، عبدالله البردّوني، وفيه يواجه القارئ في مباني -البردوني- سبكات لزجة، وروائح غبية في هوامشه، تثير الريبة.

 

ومن ذلك ما يلي:

 

في قصيدة قتيلان هما القاتل، نجد في ص 26، غموض الفكرة في:

هل قتل اليوم ابن الماضي؟

لا أدري أيّهما عصري

قتلى تمضي، وتلي قتلى..

أأنا يا أشباحي دهري؟

 

وربما مردّ ذلك إلى خطأ إملائي في “وتلي” بينما الصواب هو (وتلى).

 

وفي ص 27، خطأ في الهامش، حيث نصَّ على أنّ “الحجري والمتوكل كانا يصدران صحيفة الحرية”. والصواب أنّهما أصدرا صحيفة اسمها (صوت الحقيقة).

 

ومعروف عن البردّوني أنّه كان يولي عناية خاصة للإحالات أو الهوامش، باعتبارها إفادة للقارئ تدله على الفكرة في معنى البيت أو تظهر معنى الفكرة، لكننا في ص 73، نتفاجأ، بل نصعق حين نقرأ هامشًا غريبًا، لا يمكن أن يأخذ أدنى احتمال في صحته، وهذا نصه:

 

“زوربا: اسم نسائي أجنبي، ولزوربا قيمة فنية لأنها بطلة رواية الروائي اليوناني الشهير زاكي في وصف حرب اليونان الدفاعية؟”.

 

فالمعروف، في واقع نص رواية زوربا لكازنتزاكي، أنّ بطلها ذكر، واسمه زوربا؛ كما أنّ الرواية لا تشير إلى حرب يونانية من أيّ نوع.

 

فضلًا عن انتهاء الهامش بعلامة استفهام، بلا مناسبة ولا سبب!

في قصيدة رحلة ابن شاب قرناها، ثمة تلاعب في ص53، وتحديدًا في البيتين:

 

“كنت أدعو هذي، وتلك وأخرى

(بيت سيدي) يضحكن من لهجواتي

وأشارت من لست أدري وقالت:

(بيت سيدي) أنا بلا خادمات”

 

هنا تركيب غريب، بلا معنى، ولا، حتى، تأويل بعيد؛ لكن التركيب سينتمي للسياق ويستوي المعنى، قليلًا، عندما يحل الاسم المركب (بنت سيدي) محل (بيت سيدي) في البيت الأول؛ وكثيرًا عندما يحل محله في البيت الثاني؛ فأصل البيتين هو هذا:

 

كنت أدعو هذي، وتلك وأخرى

(بنت سيدي) يضحكن من لهجواتي

 

وأشارت من لست أدري وقالت:

 

(بنت سيدي) أنا بلا خادمات.

 

لقد تم التلاعب، حين الطبع، بحرف واحد فقط هو النون. وأراهن أنه كان موجودًا في المخطوط.

 

والتلاعب نفسه، في آخر الصفحة نفسها:

“بعد يومين، خمسة عد إلينا

واصطحب تسعة لشيخ القضاة”

 

فلا ذكر للمعدود، وحضوره لازم لزوم معنى ومبنى. يؤكّد ذلك تكرار الطلب بعدد إضافي هو تسعة.

 

ولا إيحاء بالمعدود، على الأقل، لو سبق حرف الجر الباء كلمة “خمسة”.

 

في قصيدة “على جنازة زمن القلب”، يمكن أن نشعر في الصفحات (67 – 64) بتراجع فني، وركاكة أفكار، وخطابية النص، لا تنتمي، على الأقل، إلى الطور الفنّي للبردّوني في نهاية التسعينيات (1997).

 

في قصيدة الجمع المختصر، ص 91، ينتهي المقطع البيتي بـ:

“فلما تلصون الطريق

وتحسوان دم الشجر؟”

 

بالرغم من أنّ المخاطب مثنى، من أول المقطع إلى نهاية الصفحة، إلّا سطر البيت السابق، فقد جمع المخاطب “تلصون” وهو جمع لا ضرورة له من أي وجه، وسيستقيم الوزن لو كان مثنى “تلصان”! ولا يمكن أن يفوت البردّوني ذلك، إنّه خطأ نحوي واضح.

 

كما نجد في القصيدة نفسها:

 

محاكمة للمؤتمر والإصلاح والاشتراكي في مقطع واحد، ص 95.

 

واحتفاء بوادي القرى وبنبوءة وبزينب، (ص 100).

 

ومحاكمة معاوية وذكر اسمه ثلاث مرات، وامتداد سلطته إلى العصر الراهن.

 

ونجد في ص 105 و106، تكرار كلمة “الخفر”، تفصل بينهما مسافة قصيرة، ومتحدة في القافية والروي، وبمعنى واحد، هي سابقة في شعر البردّوني، كون حدوث التكرار بفارق عشرة أبيات يعدّ عيبًا شعريًّا:

 

“من أنت؟ دلاك (المدام)

صه، سيدميها الخفر”

وبعد خمسة أبيات:

“أبحرت من مينا إلى

مينا، إلى قفص الخفر”

 

في قصيدة ليلة على الشمس في أقاليم الكشف؛ نجد:

 

في ص 113، استخدام (الجفر) للكشف والتنبؤ باستخدام رموز تبشر بظهور المهدي أو بظاهرة الحوثي:

 

“وأفضي: يا سما ارتفعي

لكي  أستبدل الغبرا

إلى دنيا سوى هذي

أزف نبوءة  بكرا

قبيل شروقها كنا..

نرى  آياتها. تترى..

عليها من ندى (الكاذي)

قميص، عمة خضرا”

 

ص 113 و114.

 

وفي باقي القصيدة غزوات وفتوحات لمدن ودول؛ كأنّنا أمام اجتياح للعالم، وإلماحات لا يسع البردّوني، بعدها، سوى الهتاف بالصرخة.

 

في قصيدة تحاور، صحبة، نقاء، (ص 176)، موضوعها عوالم رثاء صديق له، هو محمد اليريمي (العزي اليريمي) نواجه انقطاعًا للموضوع على مدى أربع صفحات (178 – 181)، وفي صفحة 182، يعود الموضوع للظهور حتى رأس الصفحة 187، ثم يختفي صفحة ونصف (187 – 188)، ويعود منتهيًا ومنهيًا للقصيدة في ستة أبيات.

 

في قصيدة تواجدية المكاشفة الثانية، وفيها:

 

عنوان عميق ومعقد، لا يتناسب مع متن بسيط التركيب شعريًّا وتصويرًا، وبناءً؛ ولأنّه مجزوء التفعيلة فهو يصدح بغنائية شديدة حدّ التبذل. فهو نصٌ لم نعهده حتى في قصائد البردّوني الغنائية -التي لا تتجاوز عدد الأصابع، في مجمل شعره- والتي لم تكن، في الأصل، مصمّمة للغناء؛ ولأنّ البردّوني أبعد ما يكون من الغنائية.

 

أخطاء فاضحة، وركاكة واضحة، لا يسع، معها، القارئ -سليم النظر والطوية- سوى أن يفترض احتمالين:

 

– أنّ معظم مخطوطات القصائد لم تكن جاهزة للطبع، وتحتاج للتعديلات، وأنّ البردّوني كان سيراجعها ويصحّحها، وينقّحها، ولم يسعفه العمر ليفعل ذلك.

 

– أنّ كل مخطوطات القصائد كانت جاهزة، لكن ثمّة مَن حاول اغتصابها والعبث بمفاتنها، فكانت كما رآها الناس: ثيابها وسراويلها ممزقة.

 

والثالث أن يكونا معًا.

 

 

 

لم أطّلع على الديوانين المنسوبين لعبدالله البردوني “رحلة ابن شاب قرناها” و”العشق في مرافئ القمر” ولكن إذا صح ما كتبه الشاعر عبدالوهاب الحراسي في منصّة “خيوط” فإن ذلك سيكون فضيحة كبرى، فالبردوني يظهر في الديوانين مبشراً بقدوم جماعة الحوثي ومتهكماً بمعاوية عدو آل البيت التاريخي! إضافة إلى أخطاء أسلوبية ولغوية ومعلوماتية في الهوامش!

وفي انتظار أن يتكرّم أحد الأصدقاء ويرسل لي بصورة من الكتاب الذي يجمع الديوانين، أدعو محبي البردوني إلى القيام بالتحقق من مصادر القصائد الشعرية وأن يخبرنا الأخوة الذين قاموا بجمع النصوص، ومعظمهم أصدقاء، عن هذه المصادر، أيضاً، وبشكل مفصّل، أي قصيدة قصيدة!

وإلاّ فليعتبر الجميع أن هذا الكتاب ليس له علاقة بالبردوني!

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق