أعلام اليمن الجمهوريالرئيسيةقادة عسكريون

أحمد الحورش .. صاحب مشروع تهريب الف كتاب إلى اليمن (1 – 2)

عبدالإله الطاهش

__

عاش أحمد حسن الحورش طفولته البائسة في  “مدرسة الأيتام بصنعاء “التي اتسعت له ولأمثاله من أبناء الفقراء غير الايتام، وتخرج الحورش في مدرسة الايتام ليتسلم أول عمل له مدرساً في الحديدة.

أما مولده فقد كان عام 1920م، في شارع ضيق وفقير من شوارع صنعاء القديمة اسمه “شارع عقيل” ومن أسرة عريقة في الفقر والبؤس

وكان يمكن للحورش أن يمكث في مهنة التدريس، كالعشرات من خريجي مدرسة الأيتام، لولا أن حدث مالم يكن في الحسبان.

وصل الى صنعاء تاجر حضرمي مستنير اسمه حسين الحبشي مفضلا، عاصمة اليمن على المكلا أو عدن الخاضعتين للاحتلال البريطاني. ولكنه تفاجاء بغيب كل مظاهر التعليم الحديث فيها، مما سوف يعرض مستقبل ابنه وابن شقيقه للخطر والضياع التام.

فبعث برساله الى نائب رئيس مجلس الاعيان العراقي يطلبه ان يساعده في الحصول على منح دراسية في بغداد لأربعة من أبنائه وأبناء شقيقة، وجاءت الموافقة من الحكومة العراقية بقبول عشرة طلاب يمنيين وليس أربعة، فبادر بالاتصال بالامام يحي لكي تتم الموافقة على اختيار بقية الطلاب ،وقد استطاع الحبشي بذكائه أن يوهم الامام بأن رفض المنحة سوف يعكر صفو العلاقات بين البلدين الشقيقين….

وهكذا تمت أول موافقة على ارسال أول بعثة تعليمية الى خارج اليمن ، وقد تبعتها بعثة ثانية وأخيرة تمت بإلحاح من المسؤولين العراقيين الذين اكتشفوا تدهو وتخلف مستوى التعليم في اليمن .

حكاية المصباح والصدمة الأولى

كان أحمد الحورش واحداً من أفراد البعثة الثانية والاخيرة الى العراق، هبط الليل الاول على الحورش وهو في السفينة، وفجأة امتدت يد البحار الى زر في الجدار، فأضاء نور ملأ الغرفة.

لم يكن هناك غاز ولا زيت ولا أي شيء مما يستخدم في الإضاءة في منازل صنعاء. كان نور ذلك المصباح الصغير أول نور يتسلل الى عقل الشاب اليمني، وعلى ضوء الشعاع المنبعث بدأ يسترجع واقع بلاده المظلم.

وبدأ يتساءل بمرارة وقلق متى تلمع مثل هذه المصابيح في، منازل صنعاء وشوارعها تحت ظلام القرون؟!!!!.

وصل الحورش بغداد. ومعا أنها لم تعد كما كانت في عصورها الذهبية ،ولكنها كانت أحدث من صنعاء، وكان بين المدينتين مسافة لا تقل عن أربعمائة عام في حساب ذلك الطالب.

لقدلعب المصباح الدور الأول في خلق الوعي الجديد في ذهن الطالب الشاب، ثم لعبت بغداد، والمظاهر النسبية للتطور فيها الدور الثاني، وتولت القراءة أو بالاصح الكتاب الدور الثالث والاهم، وهو الانتقال بالوعي الى درجة اليقين ومن ثم الى درجة الثورة.

الكتاب ….طوق النجاة

كان العام الاول للحورش في بغداد كافياً لإثبات ملامح التحول في نفس الشاب اليمني القادم من جنوب الجزيرة العربية.

ولعل دار المعلمين لم تشده اليها بمقدار ما شدته اليها مكتبتها الحافلة بالكتابات المتنوعة في مختلف فروع المعرفة.

ولانه كان قد أدرك تأثير الكتاب في نفسه فقد أدرك كذلك تاثيره في الاخرين، وأنه سيكون لبلاده طوق النجاة من التخلف، والنافذة  التي سوف، يدخل منها النور الى الناس.

وهكذا وجد نفسه مطالباً بتوفير كل قرش صغير لشراء كتاب، فيكتفي بمايقدم اليه من غذا في المقر الرسمي للبعثة، ويمشي المسافات الطويلة بقدميه ليفد من أجر المواصلات ويشتري بالقروش القليلة كتابا أو طوق نجاة لبلاده يكون ضمن ماسيعود به من بغداد، حين ينتهي من دراسته.

وطوال السنوات التي قضاها الحورش في بغداد، استطاع أن يجمع الف كتاب كمايؤكد ذلك العديد من زملائه.

وقد حمل من بعض الكتب أكثر من نسخة ،فعلى سبيل المثال يقول أحد زملائه أنه قد حمل -عشرين نسخة من كتاب”طبائع الاستبداد”للكواكبي وعشر نسخ من “العقد الاجتماعي “جان جاك روسو وثلاثين نسخة من “الانقلاب العثماني “لجرجي زيدان وعشر نسخ من كتاب “النواة في حقول الحياة “لحبيب العبيدي.

برنامج لدور الكتاب

كان الكتاب هو الشكل المناسب للنضال قبل الانتقال إلى أشكال جديدة، ويبدو أن الحورش كان قد وضع برنامج لأساليب التوعية والتثقيف في تلك المرحلة في النقاط

التالية :

أولاً:إلزام كل أفراد البعثة العائدين من بغداد، بالمشاركة في تكوين مكتبة في المدرسة، حيث سيعمل الحورش ومن معه في التدريس لاستدراج الطلاب النابهين وغيرهم من محبي الاستطلاع الى التعلق بالكتاب.

ثانياً: تكوين مكتبة صغيرة في المنزل تضم الكتب “المحرمة”ليرتادها من يأنس اليهم من الطلاب، وفي هذه المكتبة يستطيع أن يتناقس معهم في قضايا الثقافة والوطن .

ثالثاً:الدفع بهؤلاء الطلاب -كلما أمكن -الى ثكنات الجنود المجاورة للمدينة، والذهاب الى السماسر “الفنادق”والى القرى المجاورة لقراءة بعض القصص والروايات الوطنية والكتب الدينية المستتيرة.

رابعاً: توزيع بعض الكتب كهدايا لبعض الأمراء ولبعض الشخصيات البارزة، ولكبار الموظفين في دولة الإمام يحي. وقد أشار الأستاذ زيد عنان في حديثه عن مكتبة الحورش إلى أن عدداً من زملائه قدوجهوا اليه اللوم بسبب توزيع بعض كتبه -التى اقتطع ثمنها من لقمة العيش_ على بعض الأمراء والمستأثرين بالنفوذ. وقد ردعليهم ضاحكاً :(لقد اشتريت هذه الكتب لهذا السبب بالذات، وما أرجوه  هو أن يقرأها هؤلاء الاشخاص. وفي هذه الحالة سيكون كل سخص فيهم أحد اثنين : الذي يقرأ ويستنير فيكون قوة لنا،  والذي يكون عقله مصفحاً ضد الاستنارة لكنه لا بد أن يعرف على الاقل شيئاً واحد عن المصير الذي ينتظر أعداء الشعب ويترصد حياتهم).

وقد نجح الحورش في تنفيذ البرنامج التثقيفي الذي خطط له من قبل العودة نجاحاً باهراً ،وذلك ما سوف نعرضه في منشورات قادمة.

 

التدرج في معركة الوعي

نجح الحورش في تنفيذ البرنامج التثقيفي الذي خطط له من قبل العودة من بغداد،وكان أكثر نجاحاً في تحقيق البند الثاني من البرنامج، وهو الخاص بالمكتبة المنزلية.

يروي تلميذه الأستاذ محمد الفسيل، الذي كان من أوائل المرتادين لمكتبة الحورش جانباً من أخبار هذه المكتبة.

ويكشف عن الأسلوب الذي كان الحورش يتبعه مع تلاميذه.

وقد وضع الفسيل نفسه مثالاً لذلك الاسلوب الذكي في التعامل مع الشبان وإنارة عقولهم بطريقة غير مباشرة ولا منفرة تجعل الطالب نفسه يشعر بأنه هو الذي اكتشف طريقة وعرف مايعاني منه وطنه من حرمان وإذلال وطغيان. .

يقول الفسيل :أنه بدأ حياته في مطلع الشباب وقبل ان يهتدي الي مكتبة الحورش شيعياً مغالياً ومتعصباً ،ولاهم له إلا الأشادة بالإمام علي ومهاجمة بقية الصحابة وابتكار معان جديدة في شتم معاوية، وكأن حياة البشرية والأرض بل والكون بأجمعه قد تجمدة عند تلك الأحداث. وكان حبه للإمام يحي جزءاً من حبه للإمام علي.

وحين بدأ لقاؤه بالحورش لم يناقشه في تشيعه أو في حبه للإمام،  ولكنه أثنى على شغفه بالقراءة وحب الاستطلاع، وكان أول كتاب قدمه االيه هو كتاب”شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة”.

كان الكتاب موضوعياً ،وكان مؤلفه شيعي غير متعصب، ولامبالغاً في الحب،  والمبالغة في الحب تتحول الى كراهية وحقد، على الأخرين، وقد استطاع الكتاب الأول أن ينزع التعصب من نفس الطالب ويجعل حبه للامام علي متناسباً مع ماتستحقه تلك الشخصية من تقدير لا ينتقص قدر الآخرين،  ومن إعظام لا ينال من كبار صحابة رسول الله ورفاق الرحلة الى الله.

وتتالت الكتب بعد ذلك، كان الطالب يأتي الي المنزل يناقش الاستاذ قليلاً أو طويلاً ،ثم يحمل كتاب يلفه في صدره ويمضي ليلتهمه كأجمل غداء ثم يعود به ليأخذ كتاباً أخر…  وهكذا بدأ العالم في عقل الطالب يسير على قدميه بعد، أن كان يسير على رأسه كما يقول الاستاذ الفسيل.

المصادر :أحمد الحورش الشهيد المربي، دكتور عبدالعزيز المقالح.

زيد عنان : مذكراتي

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق