اُراء ومقالاتالرئيسيةكتابات

خلل دستوري في نظرية الإمامة عند الزيدية (1)

الراحل: عبدالكريم جدبان

كان الشهيد الدكتور عبدالكريم أحمد جدبان -رحمة الله عليه- يتمتع بقدرات ومواهب وذكاء خارق، ويمتلك من الشجاعة وقوة الإرادة والعزيمة ما لا يمتلكه إلا النّادر؛ ما جعله متفوقًا في كل  المجالات، فقد كان من العلماء المبرزين، جمع ما بين العلم والعمل، لم يمنعه عن الصّدع بالحق في وجه السلطان خوف أحد، ولا عن فعل الطاعات  وملازمة أوقات الصلوات في المساجد جماعة أي شاغل. تم اغتياله وهو خارج من المسجد؛ ما يستحق أن يطلق عليه “شهيد المحراب”، يشهد له بذلك كل  من عرفه وعايشه.

كما تشهد له جميع المنابر التي كان يعتليها، والمحاضرات والدروس التي كان يلقيها في كل جمعة ومناسبة ومدرسة.

إنه بحق كان قائد حركة التنوير والتغيير ورائدها ومن نفخ روح الحياة في جسد أبناء محافظة صعدة. صحيح أنها استغلت في الأخير لغير الخط الذي رسمه لها، لكنها جهوده استغلت من قبل الغير.

لديه أسلوب خطابي لا يضاهيه أحد، ولديه فصاحة وثروة لغوية يبهر بها كل من سمعه، إضافة إلى ذلك أنه كان سياسيًا وصاحب مواقف تشهد له جميع الأحداث والمحطات التي عايشها، فهو أول من بذر البذرة في صعدة، وإذا كان هناك من شخص له منة على أهل صعدة فهو الدكتور عبدالكريم جدبان. وإذا قلت أنه وراء النهضة العلمية التي حصلت في صعدة -وانبثق عنها “الشباب المؤمن” وكل الأنشطة العلمية في صعدة- فهو من قبيل الإنصاف وليس المبالغة، فبفضله وجدت الحركة العلمية، أي أنه من أوجد لصعدة حضورًا، وليست صعدة من أوجدته، وإن كان ينتسب إليها.

إذا حضر أي مناسبة كان سيدها والبقية عالة عليه، وإذا غاب شعَر الكل أن المناسبة لم تكتمل. له عدد من المؤلفات والتحقيقات تشهد بغزارة علمه وتفوقه في مجالي التأليف والتحقيق لكتب الزيدية، وقد رأيت أن أقتطف جزءا من مقدمته لكتاب “مجموع كتب ورسائل الإمام أحمد بن الحسين- أبو طير-” بعنوان: (خلل دستوري في نظرية الإمامة عند الزيدية) وهي موجودة على قوقل، يشهد له بفكره المتحرر، وقلمه الناقد، حتى للمذهب الذي ينتمي إليه، فلا يمنعه عن إبداء رأيه انتماؤه لمذهب، أو كونه محسوبا على طائفة، أو ما ورثه من فكر دون مناقشته، ما يؤكد شجاعته الفكرية النادرة، ومدى استيعابه لعمق القضايا الفكرية.

وإلى المقدمة:

‫خلل دستوري في نظرية الإمامة عند الزيدية:

‫لأنه لا يوجد نص دستوري في المذهب الزيدي ينظم عملية انتقال السلطة من شخص لآخر، دون شيوع الخلاف الذي يؤدي عادة إلى سفك الدماء والفتن وتهديد مبدأ النظرية عموماً، كان التاريخ الزيدي مليئاً بالمآسي والأحداث الدامية والخراب والدمار.

‫لأنه كما أسلفنا لا يوجد نص دستوري ينظم العملية، بل تُرك الأمر هملا، مما فتح الباب أمام الطامعين والطامحين والانتهازيين مفتوحاً على مصراعيه. فكل من وجد في نفسه قدرة للاستيلاء على كرسي السلطة تقدم إليه، ولو لم يكن يملك من شروط الإمامة إلا الذكورة والانتساب إلى علي وفاطمة عليهما السلام. أو كان يرى أنه الأفضل والأكمل من الإمام الذي سبقه، وإن كان السابق له على أكمل وجه بالنسبة لشروط النظرية الهادوية في الحكم.

‫وأستميح القارئ الكريم العذر في العودة إلى كتب التاريخ لأضرب أمثلة على هذه الدعوة.

‫1- الإمام الهادي:

‫عندما ذهب إلى آمل بطبرستان، وهي تحت حكم الداعي الزيدي محمد بن زيد، وكان في جماعة منهم أبوه وبعض عمومته وأصحابه، حيث كانوا يجلونه ويعظمونه بما لم يبلغ تعظيم بشر لإنسان، بحيث أنهم لم يكونوا يخاطبونه إلا بـ (الإمام) على حد تعبير أبي طالب في الإفادة، وعلا صيته فأقبل الناس عليه وازدحموا حتى خاف الداعي محمد بن زيد على سلطانه، فأمر وزيره الحسن بن هشام أن يكتب للهادي بأن ما يجري يوحش ابن عمك!!

‫فقال: ما جئنا ننازعكم أمركم، ولكن ذكر لنا أن لنا في هذه البلدة شيعة وأهلاً، فقلنا عسى الله أن يفيدهم منا، وخرجوا مسرعين وثيابهم عند القصار وخفافهم عند الأسكاف ما استرجعوها!!( الإفادة /134-135)

‫فأنت ترى هذا الجلال للهادي عليه السلام، وحرصه على نفع الأمة، ومع هذا يظن به الداعي أنه ما جاء إلا لينازعه سلطانه!!

‫2- الإمام الناصر الأطروش:

‫كان الداعي الحسن بن القاسم قائد جيشه ووزيره المفوض، فلما فتح الناصر آمل ولى ولده أبا القاسم على منطقة هنالك، فأثار ذلك حنق الداعي الذي كان طامعا فيها، ومما زاد الطين بلة أن الناصر ولى ولده قيادة الجيش الفاتح لآمل، فشب الخلاف واحتدم الصراع، والذي أدى أخيرا إلى أن ألقى الداعي القبض على الإمام الأطروش وإيداعه في سجن قلعة اللازر، مما أثار حفيظة العلماء والقادة وسائر الناس، وكادت أن تقع الفتنة. ( الإفادة /161-163)

‫3- صراع أحفاد الهادي:

‫لم تلبث الدولة التي أسسها الإمام الهادي أن اندثرت على إثر صراع دامٍ تفجَّر بين القاسم بن الناصر الذي تلقب بالمختار لدين الله، وأخيه يحيى بن الناصر الذي تلقب بالمنصور بالله. وانقسمت القبائل بين مؤيد لهذا أو ذاك من طرفي الصراع على الإمامة، ذلك الصراع الذي انتهى بدمار صعدة وخرابها.( مآثر الأبرار للزحيف/173).

 

المصدر/ صالح هبرة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق