أخبارأعلام اليمن الجمهوريشعراء وأدباء

قراءة في أيام شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني

د.عبدالعزيز المقالح

إذا كان لبصير مصر الأشهر طه حسين أيامه المليئة بالمدهش والمثير، بالسواد والضوء؛ فإن لبصير اليمن الشهير عبدالله البردوني أيامه العامرة بكل ما هو جوهري وعميق، وبالسواد والضوء أيضاً. وإذا كان الأديب طه حسين قد كتب أيامه نثراً جميلاً مموسقاً، خلب به الألباب ولا يزال؛ فإن الشاعر عبدالله البردوني قد كتبها شعراً بديعاً وعميقاً، وحرّك بها مكامن الشجن في المحافل والمنتديات، وعلى صفحات الصحف والمجلات. وفي إمكان الدارس لحياة هذين الضريرين العظيمين أن يلمح قدراً من التشابه، يمكن أن يكون موضع مقارنة، مع الاعتراف بأهمية الفارق الكبير بين مصر التي عبرت إلى العصر الحديث في منتصف القرن التاسع عشر، واليمن التي تأخر بها العبور إلى العصر حتى أوائل الستينيات من القرن العشرين.

لا أشك في أن تاريخ الشعر -من وجهة نظر غير بنيوية- هو تاريخ الشعراء، وأن تاريخ الآداب بعامة، ما هو إلاّ تاريخ المؤلفين والمبدعين الذين لا يمكن -تحت أية مقولة- تجاهل حياتهم وعصورهم، وما عكسته ظروفهم النفسية والاجتماعية على أعمالهم الإبداعية من آثار لا تنكر. وبعض الشعراء في الماضي، كما في الحاضر، يفقد معهم الأدب، ويفقد القارئ كذلك، الكثير مما تلقيه السيرة الذاتية على آثارهم من أضواء وظلال، إذا ما تعاملنا معهم «بمنطق التفكير البارتي»؛ (نسبة إلى رولان بارت وأمثاله)، ممن كانوا يدعون إلى تجاهل المؤلف في الدراسات النقدية والتركيز على النص في صيغته الشكلية فقط. صحيح أن النص، هو الوثيقة الأدبية التي تشدنا إليها عبر تجلياتها اللغوية وتركيبها الفني، إلاّ أن العلاقة بين النص وصاحبه لا تنفصم، إذا ما التزمنا السير على منهج من مناهج المعرفة العلمية التي لا تغفل ما هو للمبدع وما هو للنص.

إن الجانب المبهم والغامض من النص لاتكشف مكنوناته الدراسة اللغوية وحدها، ولاتقرِّبه من القارئ، ولا تجعل هذا الأخير يفتح المغالق الخفية للنص، دون الاستعانة بالنظر إلى ظروف الشاعر، وتمثل اللحظات التي أوحت إليه بمنجزه الإبداعي. ولعل انصراف غالبية القراء عن متابعة النقد «الأحدث» تعود إلى تعمد أصحابه إغفال التشابك القائم بين النص ومبدعه والنص وباعثه الاجتماعي. ويبدو لي أن قصائد شعراء كبار مثل امريء القيس، وطرفة، وأبي نواس، والمتنبي، كانت ستفقد الكثير من ألقها الإنساني لو أنها وصلت إلينا في منأى عن التفاصيل الدقيقة لحياة أصحابها، وما تبعثه تلك الحياة القلقة المضطربة لدى القارئ من تساؤلات واستحضار لنسيج الأيام التي كانت وراء هذه القصائد، التي تجمع بين المتخيل والحلم من ناحية، والواقعي الصرف من ناحية ثانية، وما يقال عن الشعراء ينطبق على بقية المبدعين في مختلف إبداعاتهم ومكوّنات أحوالهم.

وهنا يمكن القول إن الحديث عن مجهول البيان في النص الشعري يتساوى مع الحديث عن معلوم الحال في واقع الشاعر وظروف حياته. ومن هنا تأتي أهمية تحديد الطلب من مجلة العربي بالكتابة في هذا الملف عن حياة الشاعر الكبير عبدالله البرودني، بدلاً من الكتابة عن شعره، الذي سيكون موضع تناول من كتّاب آخرين. ولا شك في أن شعر البردوني شبيه بحياته، أو أن حياته تشبه شعره، في أكثر من زاوية، فكلاهما مكمل للآخر، حتى في المستوى الأخير من دواوينه التي يصفها بعضهم بالتعقيد وفقدان المعنى، فهي مرتبطة بحياته وحياة الناس من حوله، بعد أن زادت تعقيداً في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وزاد ارتباطها بمقتضيات تطور القصيدة، وما يقتضيه هذا التطور من ملابسات يجد فيها هذا البعض قدراً من التعتيم والغموض، وهي حجة قديمة يهرب إليها كل من لا يستطيع الإبحار إلى أعماق النص الشعري، والاكتفاء بالطواف حول فضاءاته الخارجية المترامية الأطراف.

طفولة ومعاناة

وإذا كنت قد تناولت جوانب من حياة صديقي وزميلي الشاعر الكبير عبدالله البرودني في أماكن كثيرة وفي مناسبات عديدة، ووقفت طويلاً عند طفولته ومعاناته الأولى مع الأسرة والناس والشعر؛ فإنني أعود هنا لكي أتحدث عن هذا الجانب بإيجاز كما جاء بعضه، وتحدثت عنه بإيجاز في كتابي «من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي»، الصادر في عام 1986م. وفي هذا الاقتباس ما يضيء المراحل الأولى من حياة الشاعر عبدالله البردوني، وكيف أن غواية الشعر أنقذته من الوقوع في متاهات الانخراط في أعمال أو وظائف تأكل وقته وتستأثر بموهبته العالية، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر- مهنة المحاماة على الطريقة التقليدية، التي كان قد ابتدأ بها حياته العملية، واقتصرت في أغلبها -كما كان يقول- على المحاماة عن النساء المطلقات أو المحرومات من الإرث بحكم التقاليد السائدة لدى بعض القبائل، والمخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.

تواريخ سرية!

متى ولد البردوني؟ ربما تكون الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال: لا أحد يدري تاريخ ميلاده على وجه التحديد. وموضوع تحديد زمن ثابت لميلاد شاعر لم يعد من المشكلات إلاّ في بلادنا، حيث كان الناس إلى ما قبل ثورة 26 سبتمبر 1962م، يولدون ويموتون دون قيد ميلاد أو وفاة، وكانت القلة القليلة المحظوظة من أبناء الأسر الكبيرة، هم الذين يمكن لهم التأكد من معرفة تاريخ ميلادهم، بفضل ظهورهم إلى الحياة في منازل عامرة بالحد الأدنى من التعليم والحد الأدنى من الكتب المخطوطة، أما بقية أبناء الشعب، فقد كان تحديد سنوات ميلادهم لا يتم إلاَّ عن طريق الظن والتخمين، وكثيراً ما كان يرتبط هذا التحديد بأهم أحداث القرية أو المدينة من حروب ومجاعات وأمراض، وغيرها من الكوارث التي كانت دائمة الإقامة في اليمن، فلا تكاد تبرح عنها كارثة إلاّ لكي تسلمها إلى أخرى.

وفي هذا المقام، تجدر الإشارة إلى أنه لاينبغي للقارئ أن يثق كثيراً بما يظهر على أغلفة دواويننا الشعرية أو كتبنا النثرية بشأن زمن الميلاد، فنحن نضع التاريخ التقريبي الذي يقترب من تاريخ الحدث الكبير، الذي نكون قد سبقنا ظهوره، أو أنه هو الذي سبق ظهورنا؛ وربما كان لنا أسوة حسنة بالرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أرّخوا ميلاده العظيم بعام الفيل!!

أيام بلد ضرير

أما عن فقدان الشاعر الكبير لبصره في طفولته الباكرة، فلا أحد يدري أيضاً متى كان ذلك، وهل حدث عندما كان في الرابعة أم الخامسة من عمره، أو قبل ذلك أو بعده؛ فالزمن الحقيقي لتحديد وقوع ذلك المصاب الأليم مجهول أكثر من تحديد زمن ميلاده. والأيام (أيام الشاعر) جزء من فنه. كما أن بُعْدهُ الزمني ضارب في بُعْده الفني، والموضوعي. وأيام البردوني هي أيام اليمن، بكل خيباته وانتصاراته وتحدياته؛ أيام بلد ضرير، كان كل من فيه أعمى أو يدعو إلى العمى. وقد ولد عبدالله في قرية «البَردّون» التي حمل اسمها، وهي قرية عادية من آلاف القرى اليمانية، التي تشكلت بمرور الزمن، وأخذت مكانها إما في سفح جبل، وإما على مرتفع بالقرب من أحد الوديان الزراعية. وقرية البردوني من النوع الأخير، فقد قامت على مرتفع صخري بالقرب من وادٍ دائم الاخضرار، تعيش عليه «البردّون» وقرى أخرى. وعندما كان عبدالله طفلاً جاء موسم الجدري، وهو من المواسم الدائمة التي لم تكن لتتأخر عن يمن الأئمة، كأنه فصل ثابت من فصول العام التي تتبدل ولا تتخلف عن مواعيدها. وفي طريقه (أي: موسم الجدري) أخذ من كل قرية ومن كل مدينة ما استطاع حمله من الكبار والصغار، ليلقي بهم في المقابر، بعد أن ترك بصماته على بعض الوجوه، وبعض الوجوه انتزع منها أغلى ما فيها: العينين. وكانت عينا الطفل عبدالله من نصيب ذلك الموسم المتوحش!!

ذهبت عينا الطفل، فما قيمته؟ ماذا يساوي في شعب ضرير، لا قيمة فيه حتى لمن لديه عينان؟! إن أيام طفولته كانت بلا شك حالكة السواد؛ لكن هل يتذكر شيئاً منها؟ حاولت من خلال الأحاديث المتفرقة والكثيرة مع الصديق الشاعر أن ألملم من ذاكرته أطيافاً، وما يتساقط في بعض أحاديثه من إشارات إلى تلك الأيام المليئة بالسواد المادي والنفسي. فأفلحت حيناً، وفشلت أحياناً؛ الكلمات وحدها كانت تعجز عن نقل التجربة الليلية الرهيبة وصمتها الأعمق سواداً وبؤساً. ولكن، وبالرغم من ذلك الحاجز الأسود، فقد شق الضرير طريقه في الظلام، بين وحل القرية وشوكها، وعانى هجير النهارات، وبرودة الليالي، يلتقط كل شيء بقلب ذكي وعقل بصير، يتملكه فضول في البحث لا حدود له، ورغبة شاسعة في معرفة كل شيء والاستفادة من كل شيء.

تحديات ضرير البردون

وكما انتقل الطفل الضرير طه حسين (مع الفارق) من قريته إلى القاهرة، انتقل الطفل عبدالله إلى «ذمار»، وفي مسجدها بدأ يعي ما حوله ويتنبه إلى قلة الزاد الفكري واللغوي في ذلك المسجد، فأخذ يعاند ويكابر ويعادي، يهجو، ويسجن، ويجوع، ويتعذب… وكما سافر طه حسين (مع الفارق الشاسع) من القاهرة إلى باريس، سافر عبدالله من ذمار إلى صنعاء. ذهب ضرير مصر يدرس في السوربون، وذهب ضرير «البردون» ليدرس في المدرسة العلمية. الفارق واسع وشاسع بين سوربون باريس، والمدرسة العلمية بصنعاء؛ لكن الانتقالات في حكم الزمن الذي لا يتساوى مع ثبات المكان قد تتقارب نتائجه ولو في إطار محدود. ومن المؤكد أنها تقل هنا – بما لا يقاس – عنها هناك. إيقاع الزمن هنا بطيء، رغم أنه لا يعرف الوقوف. القفز إلى أكثر مما يستطيع الضرير الشاب -ابن البردّون- ضرب من المستحيل. ومع ذلك فقد تحدى ثبات المكان وبطء الزمن، واستطاع أن يتواصل مع ما يصدر في العواصم العربية المضاءة من دواوين شعرية لرواد القصيدة العمودية أمثال أبو القاسم الشابي، وعلي محمود طه، وبشارة الخوري، وسليمان العيسى وغيرهم. وبذلك تزود بمعين جديد ابتعد به عن محاكاة الموروث الشعري ونجح في كسر حاجز العزلة الثقافية ووصل – رغم أنف الليل والتخلف – إلى ما لم يصل إليه ملايين المبصرين في بلاده. معلوماته الدينية تزداد، خبراته في علوم العربية تتسع… ثم هذا الشيء الذي يسمى «الشعر» بدأ يلين له ويعطيه من بواكير فاكهته، ما لم يكن متوقعاً. ويحتفي الشاب الضرير بهذا الزائر الذي يسلّيه في وحدته ويعزف على أنغامه ألحان طموحه وآلامه.

الليل يتلاشى

وتمضي الأيام: أيام اليمن بالشاعر الشاب الضرير، فيتسع له مجال القول، ويتسع معه مجال التعبير، ويبدأ شبح الليل في التلاشي. القصائد الطالعة كشموع وجدانية تضيء ظلام هذا الشاعر المتوحد، وتبدد مخاوف أيامه. لايريد أن يصبح فقيهاً، ويرفض أن يصير مقرئاً. قد يكون له كرسي للتعليم في المدرسة العلمية، وقد تستضيفه البيوت في الأفراح والأتراح ليقرأ ما تيسر من كتاب الله العزيز؛ لكنه لم يخلق لهذا؛ كلٌ ميسر لما خُلق له، وقد خُلق للشعر، لهذا الشيء الرقيق العنيف، الجميل المتوحش، وقرر عمداً ومع سبق الإصرار أن يسير من «أرض بلقيس» إلى «طريق الفجر» حتى «الأيام الخضر» ومنها إلى «مدينة الغد»… لقد وصل وأصبح، رغم مصاعب الرحلة، وربما بفضل مصاعبها، واحداً من شعرائنا العظام؛ ليس في اليمن فحسب، وإنما في وطننا العربي الكبير.

وقود التغيير

وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر عبدالله البردوني قد ولد بعد عقد -أو يزيد قليلاً- من خروج الأتراك من اليمن، وترعرع شعره وسط ثلاث محاولات للتغيير السياسي. أولى تلك المحاولات تمثلت في الثورة الدستورية، وزمانها فبراير 1948م، ولكنها انتهت بالفشل، فقد ساق الطغيان المنتصر قادتها إلى المشانق، وذهب إلى تعليق رءوسهم في مداخل بعض المدن للتخويف والإرهاب. وتأتي المحاولة الثانية في شكل انقلاب إبريل 1955م، الذي انتهى بقطع رءوس القائمين به، وكانت دماؤهم الزكية -كدماء أسلافهم- وقوداً للتغيير الكبير والشامل الذي تجسد في ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وهي الثورة التي نجحت بعد أن تكالب عليها أعداء كثيرون وفازت بمساندة مصر العربية بقيادة الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر، وكانت بمنزلة إعلان حاسم بتحرير جنوب البلاد من الاحتلال البريطاني وخلاص اليمن بشطريه: المحتل والمعتل، من الحكم الأجنبي والحكم الملكي المتخلف معاً.

وفي غضون هذه المحاولات التغييرية دخل الشاعر السجن في أوائل الخمسينيات، مع عدد من طلاب المدرسة العلمية المقاومين للنظام الملكي الإمامي المتخلف، والذين كانوا قد بدأوا في كتابة المنشورات وتوزيعها لتعرية المسكوت عنه ولإيقاظ الشعب من السبات, وإعادة الثقة إلى نفسه بقدرته على التصدي للظلم والفساد، ووضع حد لما كانت تعانيه البلاد على أيدي أولئك الحاكمين الذين أغلقوا أبواب اليمن وعزلوا مواطنيه عن بقية أشقائهم في الأقطار العربية، وعن العالم، تحت دعاوى الحفاظ على الاستقلال والخوف من الأجانب الذين كانوا قد استقروا في جنوب البلاد وتمدد نفوذهم إلى مناطق كانت بعد خروج العثمانيين تعد ضمن المناطق «المستقلة». وفي السجن كتب البردوني قصيدة بالغة الحزن من أبياتها:

هدَّني السجنُ وأدمى القيدُ ساقي
فتعاييت بجرحي ووثاقي
وأضعتُ الخطوَ في شوكِ الدُجَى
والعمى والقيدُ والجرحُ رفاقي
ومللتَ الجرحَ حتى ملَّني
جرحي الدامي ومكثْي وانْطلاقي
وتلاشيتُ فلم يبقَ سوى
ذكريات الدمْعِ في وهْم المآقي

وفي أثناء تلك المرحلة من تاريخ اليمن وحياة الشاعر كان الخلاف قد بلغ أشده على ولاية العهد ومن يخلف الإمام أحمد حميد الدين على العرش بعد وفاته. ولم يقف الانقسام في نطاق الأسرة الحاكمة والموالين لها إلى حسنيين وبدريين، بل وصل إلى حركة المعارضة نفسها، التي انقسمت إلى جمهوريين و«بدريين»، نسبة إلى ولي العهد محمد البدر بن الإمام احمد الذي وجد له أنصاراً في صفوف المعارضة، على اعتبار أنه أهون من عمه الحسن بن يحيى المطالب بالعرش من بعد أخيه. وقد أوجز البردوني وجهة نظر الجمهوريين في الأبيات التالية:

لن يستكينَ ولن يستسلمَ الوطـنُ
توثب الروح فيه وانحنى الوطـنُ
أما تُرى كيف أعلا رأسَه ومضَى
يدوسُ أصنامَه البلـها ويمتـهنُ
وهبَّ كالماردِ الغضبانِ مُتّـشحاً
بالنارِ يجتذبُ العليا ويحـتضـنُ
فزعزعتْ مـعقلّ الطغيانِ ضربتُه
حتى هوى وتساوى التاجُ والكفنُ
وأذَّنَ الفجرُ من نيـرانِ موقعـه
والمعجزات شفـاهُ والدَّنا أذُنُ
لا البدر لا الحسن السجّان يحكمنا
الحُكْم للشعبِ لا «بدرٌ» ولا «حسنُ»

وساعد مثل هذا الشعر في إيجاد نبض مختلف في الشارع المحافظ والمتردد، إذ لم يطل الانتـــظار للنظام الجمهوري الذي يعطي الحكم للشعب. وهكذا طاح ثوار سبتمبر المتفردة بالحكم وبسلطتها التي حافظـــت بكل قوة على انسداد الآفاق وتكثيف الحواجز.

كما أطاح في الوقت نفسه بالمتنافسين على إبقاء الشعب حبيس المنازعات بين الطامحين إلى الاســـتيلاء على مقاليد الحكم، فقد تفجرت الثورة في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وشكّلت نقلة بالبــــلاد من القرون الأولى إلى عتبة القرن العشرين، واستقبلها الشاعر بكل ما امتلأ به صدره الظمآن إلى الحرية والعدل من أشـــواق وأحلام:

أفقْنَا على فجرِ يومٍ صبي
فيا صحـوات المنُىَ أطربي
أتدرين يا شمس ماذا جرىِ؟
سلبنا الدجى فجْرنا المُختبي
وكان النعاسُ على مقلتيكِ
يوسوسُ كالطائر الأزغـب
أتدرينَ أنَّا سبقـنا الربـيعَ
نبــشّرُ بالموسـمِ الطيـبِ
وسرْنا حشوداً تطيرُ الدروبُ
بأفـواج ميـلادنـا الأنجـبِ
وشعباً يدَّوي: هي المعجزاتُ
مهودي وسـيفُ «المثـنَّى» أبي
غربتُ زماناً غروبَ النـهارِ
وعدتُ، يقود الضحى موكبي

لقد دار الكثير من الأيام بالشاعر الكبير قبل هذا المنعطف التاريخي وبعده، وتعرضت البلاد ولاتزال تتعرض لمزيد من الهزات والانتصارات والانكسارات، لكنها كانت قد خرجت من القبو المظلم ونتانته، وفتحت الأسوار والنوافذ للضوء وللشعر وللنثر ولبقية الفنون، وتركت للمعارضين أن يقولوا كل شيء بوضوح تام، وأن يواصلوا إزعاج السلطات المختلفة وأن يستحثوا الشعب بالمزيد من اليقظة وتهديم جدران الصمت حتى لا تعود الأزمنة الصعبة، ويعود الجدري لينهش قلوب الناس وأعينهم.
ملامح سيرة ذاتية

ولد عبدالله بن صالح بن عبدالله بن حسين البردوني في قرية البردون، شرق مدينة ذمار، اليمن عام 1929م. أصيب بالجدري وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، وعلى إثر المرض فقد بصره. تلقى تعليمه الأولي في قريته وهو في السابعة من العمر، وبعد عامين انتقل إلى قرية (الملة عنس)، وبعدها إلى مدينة ذمار حيث التحق بالمدرسة الشمسية. بعد بلوغ الثالثة عشرة من عمره، أغرم بالشعر وقرأ ما وقعت عليه يده من الدواوين القديمة. انتقل إلى صنعاء قبل أن يتم العقد الثاني من عمره، فدرس في جامعها الكبير، ثم انتقل إلى دار العلوم في مطلع الأربعينيات وتعلم كل ما أحاط به منهجها حتى حصل على إجازة من الدار في (العلوم الشرعية والتفوق اللغوي)، وعين مدرساً للأدب العربي شعراً ونثراً في دار العلوم.

رأس لجنة النصوص في إذاعة صنعاء، ثم عين مديراً للبرامج في الإذاعة إلى عام 1980م. أعد أغنى برنامج إذاعي ثقافي في إذاعة صنعاء (مجلة الفكر والأدب) بصورة أسبوعية طيلة الفترة من عام 1964م حتى وفاته. عمل مشرفاً ثقافياً على مجلة الجيش من 1969م إلى 1975م، كما كان له مقال أسبوعي في صحيفة 26 سبتمبر بعنوان «قضايا الفكر والأدب» ومقال أسبوعي في صحيفة الثورة بعنوان «شئون ثقافية». والبردوني من أوائل من سعوا لتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وقد انتخب رئيساً للاتحاد في المؤتمر الأول.

صدرت له 12 مجموعة شعرية هي: من أرض بلقيس، في طريق الفجر، مدينة الغد، لعيني أم بلقيس، السفر إلى الأيام الخضراء، وجوه دخانية في مرايا الليل، زمان بلا نوعية، ترجمة رملية.. لأعراس الغبار، كائنات الشوق الآخر، رواغ المصابيح، جواب العصور، ورجعة الحكيم بن زائد. أما كتب البردوني ودراساته فشملت: رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه، قضايا يمنية، فنون الأدب الشعبي في اليمن، اليمن الجمهوري، الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية، الثقافة والثورة في اليمن، من أول قصيدة إلى آخر طلقة،.دراسة في شعر الزبيري وحياته، أشتات. أما مخطوطاته التي لم تطبع فهي: رحلة ابن من شاب قرناها (ديوان شعر)، العشق على مرافئ القمر (ديوان شعر)، العم ميمون (رواية)، الجمهورية اليمنية (كتاب)، الجديد والمتجدد في النقد الأدبي (دراسة).

نال الشاعر العديد من الجوائز وهي: جائزة أبي تمام بالموصل عام 1971. جائزة شوقي بالقاهرة عام 1981، جائزة الأمم المتحدة «اليونسكو» والتي أصدرت عملة فضية عليها صورته في عام 1982م كمعوق تجاوز العجز، جائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن عام 1984م ، جائزة سلطان العويس بالإمارات 1993م. كما تناولت العديد من الكتب والدراسات حياته وشعره لطه أحمد إسماعيل (رسالة دكتوراة) ود. وليد مشوح، ومحمد أحمد القضاة (رسالة دكتوراة)، وناجح جميل العراقي، ود.شهاب غانم. ومن أعماله التي ترجمت إلى لغات أجنبية: عشرون قصيدة مترجمة إلى الإنجليزية في جامعة ديانا في أمريكا، الثقافة الشعبية مترجمة إلى الإنجليزية، ديوان مدينة الغد، واليمن الجمهوري، والخاص والمشترك في ثقافة الجزيرة والخليج مجموعة محاضرات بالعربية لطلاب الجزيرة والخليج، هذه الكتب الأخيرة الثلاثة ترجمت إلى الفرنسية.

*نقلا عن مجلة “العربي“.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق