أحداثالرئيسيةالوعي الجمهوري

إبراهيم الحمدي ، الذي تنبأت بمسار حياته قبل أن يموت!

أنور العنسي – اليمن الجمهوري

لم يكن أصعب عندي من الكتابة عن الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي إلاّ أن لا أكتب عنه ، ولكن كيف أكتب ؟ وبأي مناهج البحث أكتب ؟ من أي البدايات أشرَع؟ وإلى أي النهايات أذهب؟

ولأنه لا شيئ يمكنه استفزاز شعور غالبية اليمنيين ويثير حفيظتهم قدر ما يفعله بعض التناول لشخص إبراهيم وعهده بأي مستوى من النقد ، لكنني لن أكتب عن زمن إبراهيم بيدٍ تتسول محبيه وأنصاره ، ولا بيدٍ مرتعشةٍ تخشى نقمة خصومه .

فعلت ، وسأفعل ذلك ما استطعت رغم أن الكتابة الموضوعية عن إبراهيم تشبه أن تكون قاضياً تحكم على أخيك ، توأمك الوحيد في قضية لا يمكنك تبرئته في ما أشتبه لديك عنه فيها .. تشبه إجراءك بنفسك عملية قلب مفتوح لطفلك الصغير الأوحد ، حيث يتعين عليك إنقاذ حياته وصورته والحفاظ على كارزميته ، وجدانه ، وعقله وكذلك في مخيلة محبيه وأنصاره ، لكن لا مناص من”الجراحة” ولا مفر من الشعور بـ “الألم” معاً ، نعم سأكتب متحملاً ألم الكتابة والجراحة على حدٍ سواء !!.

أربعة عقود أو أكثر  وأنا أعيش قصة كتاب عن إبراهيم ، يكتبني وأكتبه ، يسبقني وأسبقه ، تُنافسُ فيه دمعتي كلماتي ، وتتصارع فيه الرغبة في البوح بالخوف من الانكشاف على حزني ومن كنتُهُ في زمن إبراهيم وبعده وبما أنا عليه اليوم بعد كل هذا الوقت والصبر والوجع.

أربعون عاماً .. من يُصدَّق أنني عشت كل هذا الوقت أعيش زمن إبراهيم ، وأعيد تأمله ، بل وأعمل قريباً مكرهاً لا بطلاً من بعض المتهمين بقتله ، عزائي في ذلك أن ألتقط شيئاً من خيوط القصة التي أرقّتني طويلاً ، ولأدرس المأساة بلا تحيزٍ ولا تجاوزٍ للحقيقة ، بالطبع لم أكن سوريالياً ، ولا مهزوز  القلبِ أو الضمير رغم وجعي ، بل عشت أدرك ما أدرك ، وأعي ما وَعَيت ، وأرى ما أراه من تفاصيل المشهد بعده ومن أجوبةٍ لأسئلتي الضمأى إلى جواب ؟!

أربعون عاماً من الزمن قد تبدو طويلة إعداداً لإصدار كتابٍ ما كان له أن يصدر وقد تصدر المتهمون بقتل الحمدي جنبات المشهد طوال تلك العقود ، عزائي أن تلك السنوات أتاحت لي وقتاً كافياً للعمل بأناةٍ وحذرٍ ووعيٍ واستقراءٍ وتحليلٍ لما توصلت إليه .. سنوات طوال شهدت محاولات متعمدة لخلط الأوراق والعبث بحقائق هذه القضية ، وتقصُّد توظيفها كورقةِ ضغطٍ في الصراعات السياسية اللاحقة ، لكنها أرغمتني في النهاية على أن أضع لهذه النهاية نهاية ،لأن أضع هذه الأوراق بين يدي الكل ليعلم الجميع ماذا خسر  اليمن بقتل إبراهيم ، باغتيال عقله ، بسحقِ حلمه ، وإزهاق خياله ، وكم سنحتاج من الوقت لتعويض اليمن ، شعبه ، أرضه ، وتاريخه عن غيابه ..

في غياب الإرشيف الجامع والوثائق الموثقة ليس بوسع أحدٍ تزكية رواية أحدٍ أو تكذيبها ، وليس من وسيلة لتقييم هذه الرواية أو تلك سوى باستخدام أدوات التحليل والاستقراء ، وكشف علاقات الأشياء ببعضها والوقائع بما اقترن فيها بغيره من الروايات من حيث الوقت والمعلومات والظروف ..

الأهم من تفاصيل كل التفاصيل أن الكشف عنها كاملة لن يعيد إبراهيم إلى الحياة فالرجل قضى وتوقف بموته مسار استثنائي في العمل الوطني ، وضاعت بمقتله فرصة للنهوض عظيمة ونادرة في التاريخ .. لا تتكرر!

* من مقدمة كتاب الصحفي أنور العنسي عن حياة “الحمدي”.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق