أخبار المحافظاتالرئيسيةتقارير

«اليمن السعيد» فى ذاكرة الغناء المصرى

 

أحمد السماحي – الأهرام المصرية

 

مع انطلاق الشرارة الأولى للثورات العربية كانت الأغنية دائما هى زاد الشعوب للتفاعل مع أحداث الوطن الأكبر، تسانده فى كفاحه المجيد ضد كل معتد أثيم، وتشاركه فى كل أعياده متغنية بأمجاده .

ومن ثم أسهمت الأغانى الثورية والأناشيد الوطنية بشكل كبير فى تثبيت مسار تلك الثورات على مر التاريخ، بل كانت عاملا مساعدا فى إنجاحها، من خلال الكلمات الثائرة المعبرة عن واقع الشعوب

 

 

بينما الألحان الحماسية بإيقاعاتها السحرية تعمل على استنهاض الهمم ورد اعتبارها من حالة الوهن والسبات العميق الذى حل بها، بل إنها كانت تعمل دوما على إيقاظ الأحاسيس المرهفة وتحريك المشاعر الجياشة الراكدة وقيادتها إلى ميادين وساحات النضال السلمى للتغيير فى رحلة التصدى للأنظمة الديكتاتورية الفاسدة والمستبدة، التى سلبت الحقوق والحريات ونهبت الثروات الاقتصادية من شعوبها.

 

ولعل طيفا من تلك الحالة الإبداعية الآن يحلق من حولنا، فى ظل خوض قوات التحالف العربى معركتها لدعم الشرعية فى اليمن من خلال «عاصفة الحزم» التى تشارك فيها عشر دول عربية بقواتها لإعادة اللحمة الوطنية اليمنية، بعد أن استولت ميليشيات الحوثيين على السلطة، وهو ما يدفعنا لنستعيد الاحتفالات بالأغانى الوطنية والثورية الخاصة بثورة26 سبتمبر عام 1962 باليمن التى كانت امتدادا طبيعيا لثورة 1952 المصرية، حيث كان للأغنية فيهما دور بارز فى إنجاح الثورتين، من خلال تفردها بأغنيات كتبها كبار المبدعين لتلامس الشعور الوطنى والقومي، بعد أن وضع موسيقاها كبار الملحنين، وتغنى بها أشهر المطربين فى ذلك العصر الذهبى للغناء، ولذا تميزت أغانى الثورة بموسيقى وألحان نالت شهرة وانتشاراً واسعاً فى ذلك الزمان، ومازالت محفورة فى الأذهان حتى الوقت الحاضر وحفظها الشباب منذ الستينيات وحتى الآن.

 

ثورة 26 سبتمبر

 

فى عام 1962 تعاظم الرفض الجماهيرى اليمنى للواقع المرير، فإذا بالجماهير الرافضة تخرج إلى شوارع «صنعاء وتعز» يتقدمها طلاب المدارس، والهتافات تتعالى منادية بإسقاط الإمامة ومطالبة بالجمهورية، وفى هذا الوقت كان هتاف الطلاب الذين يتغنون فى الشوارع: «فى طريق النصر سيروا / بنظام واتحاد/ وعلى الأعداء ثوروا/ ثورة تمحو الفساد».

 

لقد كان الطلاب الفتيل الذى أشعل الثورة، وما كادت أيام تمر حتى قتل «الإمام أحمد» يوم 19 سبتمبر1962، وبعد أسبوع فقط من موته وتولى «محمد البدر» الإمامة بعده أنجز تنظيم الضباط الأحرار وكل الوطنيين فى الجيش وخارجه ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، فإذا بالغناء والفن فى خندق الثورة ينتصران لآمال وتطلعات الملايين اليمنية.

 

وفى هذه الفترة انطلقت بعض الأناشيد اليمنية التى مازالت حاضرة فى ذاكرة كثير من اليمنيين، والتى كانت تؤكد الثقة فى الشعب وقوته، وفى حتميه انتصاره، ومن هذه الأناشيد أغنية للشاعروالمناضل الكبير «على عبدالعزيز نصر» لحنها وغناها الفنان الكبير الراحل محمد مرشد ناجى تقول كلماتها:

 

«أنا الشعب زلزلة عاتية / ستخمد نيرانهم غضبتي/ ستخرس أبواقهم صرختي/ أنا الشعب عاصفة طاغية».

 

«صوت العرب» تشارك فى الحرب

 

فى صبيحة يوم 26 سبتمبر 1962، ومع إعلان انتهاء حكم «آل حميد الدين» من إذاعة صنعاء وقيام الجمهورية العربية اليمنية، كانت إذاعة صنعاء تقدم موسيقى «مارشات» وأناشيد مصرية متوافرة فى مكتبة الإذاعة، ولم تلبث أن قدمت رائعتى «على أحمد الخضر وعلى بن على الآنسي» : «جيشنا يا جيشنا/ جيشنا ياذا البطل/ فى السهول والجبال/ فى الشمال والجنوب/ أخوة ووحدة تجمع القلوب»، ثم تلقت الإذاعة أشرطة تسجيلات مهداة من إذاعة صوت العرب، تضمنت أعمالاً غنائية أبدعها المصريون تتغنى باليمن وبالثورة اليمنية، منها نشيد المجموعة: «نحن فداك يا صنعاء» كلمات الشاعر الثورى عبدالله شمس الدين، وألحان محمود الشريف، يقول مطلعه:

 

«على قدر تلاقى النور بالأحرار يا صنعا

 

وطوح بالدجى العاتى صباح الحق يا صنعا

 

ودك المارد العربى حصن الظلم والرعب

 

وبالحرية الشماء عاد الحكم للشعب

 

ونحن فداك يا صنعا».

 

ومن كلمات الأديب «على أحمد باكثير» وألحان الموسيقار «على إسماعيل»، غنى الثلاثى النغم قصيدة « يا دولة الجنوب» التى يقول مطلعها :

 

« يا دولة الجنوب يا بلسم الجراح

 

فى ظلمة الخطوب أشرقت كالصباح

 

فى حرمة الجهاد

 

والحرب فى ضرم

 

ولدت فى مهاد العز والشمم».

 

وتنتهى القصيدة بالتبشير بمولد اليمن السعيد « لواك الجديد يمن على العرب / فاليمن السعيد ميلاده أقترب».

 

وغنى صوت النيل محمد قنديل «صاحب النصيب الأكبر فى الأغنيات الوطنية للدول العربية»، من كلمات الشاعر مصطفى عبد الرحمن، وألحان أحمد صدقى قائلا:

 

«هب الشعب اليمنى وثار

 

فى طريقه طريق الأحرار

 

هدم القصر على الخاينين

 

بعد ما عاش فى السجن سنين

 

ضرب الخونة والاستعمار

 

هب الشعب اليمنى وثار».

 

الشعب لازم ينتصر

 

من جانبه دعم المطرب المبدع «محمد فوزي» بصوته وألحانه الشعب اليمنى وعمل على تحفيزه للوقوف إلى جانب الثوار والجمهورية ضد فلول الإمامة البغيضة، الذين حاولوا الانقضاض على الثورة الفتية حينها من خلال رائعته «الشعب لازم ينتصر» كلمات محمد حلاوه، يقول مطلعها :

 

الشعب لازم ينتصر قيوده لازم تتكسر

 

يا ويل عدو الشعب ساعة الخطر

 

الشمس طلعت على اليمن

 

من بعد ما غاب الزمن

 

تملى القلوب الحرة بالنور والأمل

 

تملى الحياة أمجاد للشعب البطل

 

والصف وحد القلوب المؤمنة

 

فى كل ساعة بالعمل يعلا البناء

 

فايدة كامل تشعل الثورة

 

فى هذه الفترة الثرية بالإبداع الغنائى الوطني، كانت «فايدة كامل» مطربة الثورات العربية بلا منافس فى مؤازرتها للشعوب العربية التى تعيش تحت وطأة الظلم والطغيان، وكانت فى أثناء حرب اليمن زوجة للواء النبوى إسماعيل ـ أول قائد عام للقوات المصرية فى اليمن ـ بعد قيام الثورة مباشرة، عندما أرسل الزعيم جمال عبدالناصر قوات شرطة مصرية لمناصرة أشقائهم اليمنيين، إثر الحصار الذى تعرضت له العاصمة صنعاء من قبل فلول الإمامة، الذين أرادوا الانقضاض على الثورة السبتمبرية والجمهورية الفتية، فما كان من الزعيم جمال عبدالناصر إلا أن ناصر أشقاءه اليمنيين بقواته، لهذا لم يكن غريبا أن تساند فايدة كامل اليمن وأيضا تساند زوجها، وتقدم مجموعة كبيرة من الأغنيات الوطنية التى أشعلت اليمن، وكان لها أثرها ودورها الفاعل فى نفس كل وطنى غيور على وطنه، بدأتها برائعتها « ثورة اليمن السعيد»، كلمات كمال منصور، وألحان عبدالعظيم محمد، والتى تقول فيها:

 

بالإرادة والعزيمة والجهاد

 

اليمن أشعلها ثورة ع الفساد

 

ثورة بالنار والحديد

 

ثورة اليمن السعيد ثورة الشعب المجيد

 

ثورة ع الظلم والطغاة

 

لا إمامة لا قيود ولا عبيد

 

الأسود زأروا وثاروا

 

أعلنوها جمهورية

 

ع البشائر هجموا وغاروا

 

واللى كان حلم وخيال

 

قاموا فيه أعظم رجال

 

ولم تقتصر تلك المطربة الثورية على تقديم هذه الأغنية فقدمت أغنية:

 

الشمس طالعة على اليمن بالخير

 

بالعزة والحرية والتحرير

 

والشعب تحت الشمس ماشى بجد

 

ماشى فى طريق القوة والتغيير

 

وأسهمت الأغنيتان فى رفع الروح المعنوية لأبناء اليمن الذين هبوا لنجدة الثورة من كل سهل وواد وجبل ومن المدن والقري، لدرجة أن البعض عندما كان يسمعها يزداد فخراً واعتزازاً، معتقداً أن الثورة اليمنية تتفوق على ثورات العالم الثالث، الغريب انه رغم مرور أكثر من خمسين عاما على إنتاج هذه الأغنية تحديدا، فإنها مازالت محتفظة بقوتها وروعتها، لهذا تم ترديدها مؤخرا فى كل ميادين اليمن فى أثناء اندلاع ثورة فبراير 2011.

 

أول صباح والوطن الأكبر

 

ولا يمكن ونحن نتحدث عن أغنيات المطربين المصريين والعرب لليمن أن ننسى رائعة نجاة الصغيرة «أول صباح» كلمات على مهدي، ألحان بليغ حمدي، والتى كانت تتغزل بالجنود اليمنيين والمصريين والتى تقول فيها:

 

أول صباح زى النهارده

 

على اليمن هلت ضياه

 

أول صباح زى النهارده صحى الحياة

 

ما أحلى صباح نوره اللى بان

 

ما أحلى اللى بإيمانهم نوروه

 

ما أحلى اللى بحياتهم بيصونوه

 

عاش النضال وعاش الرجال

 

كما تغنت اليمن كلها بنشيد «الوطن الأكبر»، كلمات أحمد شفيق كامل وألحان محمد عبدالوهاب، خاصة الكوبليه الذى تغنيه المطربة صباح، وتذكر فيه اليمن قائلة :

 

حلو يا مجد يا مالى قلوبنا

 

حلو يا نصر يا كاسى رايتنا

 

حلوة يا وحدة يا جامعة شعوبنا

 

حلوة يا أحلى نغم فى حياتنا

 

يا نغم سارى بين المحيطين

 

بين مراكش والبحرين

 

فى اليمن ودمشق وجدة

 

نفس الغنوة لأجمل وحدة

 

وحدة كل الشعب العربي

 

ولأن الثورة اليمنية فى تجلياتها تمثل فعل انتصار للمد القومى العربى التحررى الوحدوي، كانت إذاعة صنعاء تقدم أغنيات ذات نفس قومى مثل: «بدى عريس أسمر عربي/ شرطى من المتحدة طلبي»، كلمات وألحان «محمد سلمان» وغناء «نجاح سلام»، ومن الأغانى الوحدوية قدمت الإذاعة أغنية محمد قنديل «وحدة ما يغلبها غلاب» كلمات محمود بيرم التونسي، وألحان عبدالعظيم عبدالحق، التى يقول فى أحد كوبليهاتها: «أنا واقف فوق الأهرام/ و قدامى بساتين الشام/ أشاهدها وأهالى كرام/ يقولوا لى قرب يا زين»، ولعل هذه الأغنية هى التى ألهمت الشاعر والفنان القومى الكبير «محمد محسن عطروش» كلمات أغنية:

 

من فوق جبل شمسان

 

أنا شايف صبر

 

يضحك لبرج القاهرة

 

أمسيت أنا فرحان

 

على ذاك اللقاء

 

وأمست عيونى ساهرة

 

العيد الأول للثورة

 

فى عيد الثورة الأول كان للفنانين المصريين دورهم الكبير والبارز فى دعم الثورة السبتمبرية، ومثلهم مثل أشقائهم الفنانين اليمنيين، فقد خاطروا بأرواحهم وذهبوا إلى اليمن ليدعموا اشقاءهم اليمنيين وثورتهم الباسلة، وغنوا أغانيهم الثورية الحماسية الخاصة لثورة سبتمبر، وأقاموا حفلاتهم فى العاصمة صنعاء، وفى جبالها الشماء وفى جبال «خولان وبنى مطر والحديدة وغيرها»، من هؤلاء المطربين محمد قنديل الذى استقبل بالورد، وأحيا يوم 28 سبتمبر 1963 حفلا ساهرا بمدينة تعز، وقدم نشيد «أرض العرب هى العزيزة الغالية» كلمات محمود بيرم التونسي، وألحان أحمد صدقي، والتى أعاد تسجيلها لليمن مستبدلا كلمتى «أرض العرب» بكلمتى «أرض اليمن»، كما قدم أغنيته الجميلة « نشيد اليمن» كلمات عبدالفتاح مصطفي، وألحان عبدالعظيم عبدالحق، الذى يقول مطلعه:

 

الحق سيوفه يمنية

 

والنصر سيوفه يمنية

 

يمنيك يا وحدة قوية

 

يا وحدة مصر وسوريا

 

يا يمن السعد ويمنها

 

يا مداين باركها الله

 

وبناء على طلب الجماهير غنى رائعته «وحدة ما يغلبها غلاب»، واستبدل بعض كلماتها لتناسب اليمنيين، فقال «أنا واقف فوق الأهرام/ وأمامى أسود صنعاء بيقولولى أهلا يا زين»، كما غنى بعض أغنياته العاطفية الأخرى مثل «جميل وأسمر، ويا مهون، ويا حلو صبح»، وغنى فى الحفل أيضا المطرب «ماهر العطار» أغنيته الوطنية التى تتغزل بالثورة اليمنية «فوق الجبل أفراح» كلمات كمال منصور، ألحان محمد فوزي، وشدا ببعض أغنياته العاطفية مثل « بلغوه ، وداب قلبي»، وغنى محمد عبد المطلب رائعته الوطنية التى لا تذاع حاليا «يسعد صباح المجد والحرية» وبعض أغنياته العاطفية الأخري.

 

أنشودة صنعاء

 

وفى حفل آخر غنت الفنانة فايدة كامل فى قاعة «سينما بلقيس والأهلية» فى صنعاء قصيدتها «أنشودة صنعاء» كلمات الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، وألحان رياض السنباطي، يقول مطلعها :

 

أرض صنعاء لقد عاد القدر

 

وطوى عندك أحلام السفر

 

فازحفى بالنور وامضى واهتفي

 

زمن الطغيان ولى واندثر

 

ولم تقتصر إطلالة فايدة فى الحفل على هذه القصيدة الرائعة، ولكنها شاركت المطرب شفيق جلال والمطربة السورية «رويدا عدنان» التى كانت تقيم فى مصر فى هذا الوقت، وبعض المطربين اليمنيين أوبريت «ريح الشروق» كلمات الدكتور سعيد الشيباني، الذى كان طالبا يدرس بالقاهرة أثناء قيام ثورة سبتمبر، وتلحين صديقه المطرب اليمنى الكبير فرسان خليفة الذى كان يدرس أيضا الموسيقى بالقاهرة، وكان الأوبريت يتغنى بكل مدن ومحافظات وقرى ومناطق اليمن السعيد، وتقول بعض مقاطعه:

 

« البيضاء هم اخواني

 

من حرض إلى خولان

 

ذو الحسين هم أحبابي

 

وأرحب والحدا خلان

 

كل اليمن كلهم إخواني

 

من حرض إلى ذبحان

 

صنعاء يا بلادى صنعاء

 

من عدن إلى جيزان

 

إلى آخر هذه الرائعة التى عملت على تأليف القلوب وحشد كل أبناء القبائل وأبناء المناطق والقرى اليمنية لمناصرة الثورة، وقد لعبت هذه الأغنية، وغيرها الدور الكبير فى إشعال حماس الجماهير اليمنية للاصطفاف حول ثورتهم السبتمبرية المجيدة، وكانت أغانى وحفلات الفنانين تقوم بدور التوعية ونشر ثقافة الثورة والجمهورية فى ظل غياب الإذاعة حينها، حيث كانت لا توجد إذاعة ولا تليفزيون ولا صحافة، وبدأت الإذاعة بداية بسيطة مع بداية الثورة المجيدة من خلال «إذاعة صنعاء» لكنها كانت مقتصرة على العاصمة وما حولها بالكاد.

 

إسماعيل ياسين على أعناق اليمنيين

 

وزار النجم الكوميدى إسماعيل ياسين اليمن لدعم ثورة سبتمبر المجيدة، ولاقت حفلاته ترحيبا شديدا حتى أن البعض من الجمهور اليمنى حمله على الأكتاف بعد انتهاء فقرته التى قدمها لدعم الثورة المجيدة، ورفع معنويات الجنود المقاتلين فى سهول وجبال صنعاء، وقدم العديد من «الاسكتشات، والمونولوجات» المتنوعة فى جبال «نقم وعيبان وبنى مطر والحيمتين وخولان»، وفى كل المواقع والمعسكرات الخاصة بالجنود اليمنيين والمصريين المقاتلين فى خنادق الثورة، وكذلك أيضا استقبل محرم فؤاد ومحمد عبدالمطلب وأحمد سعيد مذيع صوت العرب بالورود والهتافات.

 

زيارة عبدالناصر

 

كان عام 1964 عاماً سعيدا بالنسبة لليمنيين، حيث زار الزعيم الراحل جمال عبدالناصر يوم 6 إبريل اليمن فى ظل النظام الجمهورى الخالد، وهبت الجماهير اليمنية من شمال الوطن وجنوبه وشرقه وغربه لاستقباله والتعبير عن محبتها لشخصه، ويومها ألقى عبدالناصر من ميدان الشهداء فى مدينة تعز خطابا موجها للوجود الاستعمارى فى عدن، حيث قال كلمته الخالدة «على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل»، وفى مساء نفس اليوم وفى حفل كبير فى مدينة صنعاء أطلقت فايدة كامل قذيفتها الثورية «ثورى يا ردفان» كلمات مصطفى عبدالرحمن، وألحان رياض السنباطى والتى تتغنى بجبل «ردفان» الشامخ الذى انطلقت منه شرارة الثورة التى هزمت الإمبراطورية العظمي، والتى يقول مطلعها:

 

عمر الحر ما يرضى هوان

 

يا ردفان ثورى يا ردفان

 

قابلى العدوان بالعدوان

 

وافرحى بكفاح الشجعان

 

يا ردفان ثورى يا ردفان

 

يافع وعدن بكرة تثور

 

دم الغازى حيبقى بخور

 

وعلى الباغى الدنيا تدور

 

ولا يبقاش للغدر مكان

 

يا ردفان ثورى يا ردفان

 

كانت فايدة كامل تهز مشاعر اليمنيين وتؤجج حماسهم وهى تغنى لليمن، وكذلك كان الفنان محمد قنديل خاصة وهو يغني:

 

يا طيارات غنى فى كل مطار

 

ابن اليمن أصبح خلاص طيار

 

ابن اليمن أصبح خلاص عامل

 

بنى مصنعه العالى فى خط النار

 

وغنى محرم فؤاد بعض أغنياته العاطفية مثل: «زى ما أكون عطشان» كلمات عبد الوهاب محمد،ألحان عبد العظيم محمد، و»رمش عينه» كلمات مرسى جميل عزيز، ألحان محمد الموجي.

 

العندليب يتنقل بطائرة عسكرية

 

مرت خمس سنوات على ثورة 26 سبتمبر، والتحم الدم اليمنى بالدم المصرى فى معارك النضال وساحات الفداء عبر مشاهد بطولية سطرها التاريخ، وهنا كان الجيش المصرى المقاتل فى أمس الحاجة إلى الدعم المعنوي، فما كان من الفنان الراحل عبدالحليم حافظ، وهو المعروف بوطنيته وانتصاره للقضايا القومية ، إلا أن قرر الذهاب إلى اليمن لمؤازرة الجيش البطل، كان عبدالحليم يتنقل بطائرات عسكرية بين مواقع وثكنات الجيش المصرى ،وكان يرافقه الطيار المصرى حنفى محجوب ــ الذى استشهد بعد ذلك بأسابيع قليلة فى حرب يونيو1967، ويومها ارتدى حليم الملابس العسكرية ووقف يغنى للجنود المصريين واليمنيين «أهلا بالمعارك، صورة، سواح، على حسب وداد قلبي»، وفى المقابل استقبله الجنود بالهتاف والزغاريد والرقص، وقدم المونولوجيست «أحمد غانم» الجانب الفكاهي، وقام العندليب فى اليوم التالى لحفلته بزيارة المرضى من الأبطال فى مستشفى القوات المسلحة فى تعز وغنى لهم أيضا.

 

وجدير بالذكر أن «حليم» رفض أن يتقاضى أى أجر ولو رمزيا عن حفلاته فى اليمن، ورفض أيضا أن يحصل على بدل السفر المقرر له، وطلب من الشئون المعنوية بالقوات المسلحة أن تتيح له فرصة اللقاء مرة أخرى مع القوات المصرية فى اليمن، والبقاء لفترة أطول بين رجالها.

 

وبعد قرار الرئيس جمال عبدالناصر بعودة الجنود المصريين غنى لهم عبدالحليم حافظ من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان محمد عبدالوهاب، وحيا ثورة اليمن فى سياق أغنية ترحيبية بعودة فيالق القوات المصرية من اليمن قائلا:

 

«يا حبايب بالسلامه

 

رحتم ورجعتنا بألف سلامة

 

ثورة شعب بحاله

 

هبت من أجياله

 

آزرتوه فى نضاله

 

وساندتم أبطاله

 

يحيا جيش العزة والشهامة

 

وغنى محمد قنديل رائعته «يا راجع م اليمن» كلمات حيرم الغمراوي، وألحان عبدالعظيم محمد، والتى يقول مطلعها:

 

يا راجع م اليمن وجبينك فى السماء

 

يا مسجل للزمن الأرواح والدماء

 

حقيقة وحدتك وشهامة أمتك

 

وعروبة ثورتك وعزة قوتك

 

لقد كان للفن المصرى وفنانيه الكبار دور بارز ومهم فى دعم وإنجاح الثورة السبتمبرية المجيدة، حيث ذهب إلى هناك لنشر الوعى الثورى والجمهورى والوطنى بين فئات الشعب اليمني، ودورهم فى ترسيخها شأنهم شأن السياسيين والجنود المصريين الذين ضحوا واستشهدوا فى جبال وسهول اليمن دعماً ومشاركة للثورة اليمنية الأبية.

 

#اليمن_الجمهوري – جريدة الأهرام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق