أخبار المحافظاتالرئيسيةتقارير

“أم” تروي بحرقة قصة ابنها الذي انتزعه منها الحوثي وأعاده لها “كومة لحم”

 

خلود الحلالي

 

لم يستمع “محمد”، البالغ من العمر 17 عاما، لنصائح والديه، ولم يؤثر فيه نحيب والدته، التي ذرفت كثير من الدموع، محاولةً الحيلولة بينه وبين مشروع الموت الحوثي الذي انخرط فيه تحت تأثير مجموعة من المراهقين في ذات الحي الذي يسكن فيه.

 

تسبب “محمد علي” (اسم مستعار)، في أوجاع وأحزان لا يمكن وصفها، بحسب والدته، منذ انخراطه في مشروع الحركة الحوثية، في العام 2015.

 

فاختفاءه أكثر من مرة، وإصابته أيضا أكثر من مرة، ثم أخيرا مقتله بإحدى الجبهات، كلها كانت كفيلة بأن تهد حيل والدته ووالده، تلك المرأة التي انتظرت عشر سنوات مليئة بالاشتياق والرجاء إلى أن رزقها الله هذا الولد، لتخسره في معركة مسيرة الموت الحوثية.

 

البداية

 

“محمد”، كان في الصف الثاني الثانوي، قبل أن ينخرط في مشروع الموت كما ذكرنا عام 2015، تقول أمه في حديثها لـ”اليمن الجمهوري”، إن حالته بدأت تتغير، منذ بدأ بمجالسة أولاد من سنة، من أسر “سلالية”، انخرط رجالها من وقت مبكر مع جماعة الحوثي.

 

وتضيف “أم محمد”: “بعد ذلك، بدأ يلمح لنا بأنه يريد الذهاب مع الحوثيين، وكنت أحاول أقنعه بأن يعدل عن فكرته، لكنه كان مصرّ عليها، بعد ذلك، بدأ يتأخر في العودة إلى المنزل، إلى أوقات متأخرة من الليل، الأمر الذي ضاعف من قلقي وقلق والده عليه”.

 

تقول والدته، إنه بعد ذلك اعترف بأنه يشارك في حراسة الحارة ممن أسماهم “الدواعش”، طبعا هذا كان في العام 2015، بالرغم من أنه لم يكن لديه سلاح، ثم بعد فترة أبلغ والده أنه سينظم إلى جماعة “أنصار الله”، (الحوثيون)، وهو طلب قوبل بالرفض من قبل الوالد، وتسبب في حدوث مشكلة، وخلاف داخل الأسرة.

 

انتماء وثيق

 

منذ ذلك الحين، بدأ انتماء “محمد” لجماعة الحوثي، يتعزز على حساب انتماءه لأسرته، حتى أنه خاطب والديه أكثر من مرة قائلا: “أنتم جميعكم تعيشون في خير عبدالملك الحوثي”، ثم بعد ذلك بدأ يناوب في نقاط التفتيش في المدينة التي يسكن فيها هو وأسرته.

 

بعد أن أصبح “محمد” – بالنسبة للحوثيين – جاهزا للمشاركة في القتال، قاموا بأخذه هو وقرابة 19 آخرين أغلبهم بنفس عمره، وأرسلوهم إلى إحدى جبهات القتال، وما هي إلا فترة وجيزة حتى عاد جميع رفاقه، إلا هو، الأمر الذي كان بمثابة الصاعقة على والدته ووالده، فهذه أول مرة يغيب ابنهم محمد، بدون إذنهم.

 

تقول الأم في حديثها لـ”اليمن الجمهوري إنه استمر مختفيا لمدة ثلاثة أشهر، حتى علم والده بأنه يتواجد في الصفوف الأمامية في جبهة نهم، يقاتل مع الحوثيين، إلى أن تلقت أسرته اتصال منه، أكد لها فيه أنه بخير، دون أن يحدد مكان تواجده.

 

وبعد مدة، عاد “محمد” (اسم مستعار)، إلى أسرته لكنه عاد مختلفا كليا عن ذلك الشاب المدلل، عاد ليعرض على أسرته الانخراط في “المسيرة القرآنية”، التي قال إنها غيرته.

 

تغير جوهري

 

تقول والدته: “علمنا أنه حضر دورات وتدريب من قبل أصحاب المسيرة القرآنية، ومن حينها لاحظت عليه تغير واضح في أسلوبه وحتى كلامه ولهجته تغيرت كنت أنا وأبوه نحاول نأثر فيه، واستعطافه بأننا بحاجة  إليه، لكنه كان يرد علينا بأن الله معنا، وأن المفروض أن نفتخر بأن ابننا شهيد، وأنه سيشفع لسبعين شخص!”.

 

لم تنفع مع “محمد” كل المحاولات لإثناءه عن اللالتحاق بمسيرة الحوثيين، ثم بعد ذلك غاب أسبوعين، لتصل أسرته صورة لشخص قتيل، مجهول الهوية، على أنه ابنهم، ولم تتعرف أسرته على ملامحه، بسبب الضرر الذي لحق بها، وهو ما تسبب في حزن وألم لا يوصف – بحسب والدته – إلى أن أجرى اتصال بهم، وحينها انزاحت الغمة من على والديه، لكنه رفض العودة إلى المنزل.

 

تقول والدته إنه تنقل في عدة جبهات، منها نهم، كما أنه استقر فترات متفاوتة في صنعاء، وحينها تعرض للإصابة مرتين، الأولى في قدمه، جراء شظايا بقصف جوي بأحد المواقع في صنعاء، والمرة الثانية، علمت أسرته أنه مصاب في المستشفى الألماني، وأنه من بين مجموعة من الأفراد الذين تعرضوا لقصف جوي، حيث أصيب بـ 12 شظية في ظهره.

 

تذمر

 

تقول والدته، أنه بعد إصابته الأولى، وحينما عاد إلى المنزل، كان يتحدث عن وجود ظلم، ومحسوبية، وفساد، ومجاملات من قبل قيادات الجماعة، وأن هناك تعامل مختلف مع أفراد الجماعة القادمين من صعدة، بينما هو كان يضطر للاتصال لأسرته لترسل له مصاريف، حتى أنه طلب من والده أن يشتري له قطعة سلاح، لأنهم منحوه كلاشنكوف لمدة شهرين ثم سحبوه منه.

 

حاولت اسرته استغلال هذه القناعة التي بدأت تتكون لديه، لإثناءه عن الذهاب مع الجماعة، إلا أن ذلك لم يفلح، بسبب التأثير الكبير الذي أحدثته المحاضرات والدورات، وبالرغم من أن حتى المشرف المسؤول عليه، طلب منه بعد إصابته الثانية أن يظل في المنزل، إلا أنه رفض، وهرب من المستشفى إلى المقر في صنعاء، وهذا ما ولد حالة من اليأس والإحباط لدى والده، بحسب رواية “والدته”.

 

تقول “والدته” إنها كانت تشك في أنه كان يتناول شيئا مخدر، بعد ذلك ظل على هذه الحال، يغيب ويعود للمنزل، عدة مرات، وفي كل مرة، يطلب من والده ووالدته أن يستغفروا للمقاتلين في الجبهات، وأن الله سينصرهم لأنهم يقاتلون أمريكا واليهود، وأنهم بعد ذلك سيحررون فلسطين إلى أن حانت النهاية.

 

أنا شهيد

 

تقول والدته: “في آخر يومين قبل أن يغادر إلى غير عوده، كان يشعر بضييق، كما لاحظنا تدهور صحته، وتغيرت ملامحه، حاولنا أن نقنعه، بألا يغادر مرة أخرى، إلا أنها كان يرد عليهم بالقول: أنا شهيد، وبرغم من تحذير وترجي والده له بألا يذهب إلا أنه أبى أن يستجيب”.

 

وتضيف الأم: “لأول مره يحضني ويبوسني بهذا الشكل وسلم على اخوته وكتب رساله لابوه يقول فيها: “يعلم الله مدى حزني بخروجي من عندكم واستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وبعدها ذهب خلسه، كي لا يمنعه أبوه، وما هي إلا يومين حتى وصل الخبر أنه “استشهد في مأرب”.

 

كومة لحم

 

وتضيف الأم: “أبلغونا بالخبر، ثم بعد بيومين أحضروه لنا في “كيس”، منعوني من أن ألقي عليه نظرة، علمت أنه كان عبارة عن كومة لحم، لا رأس ولا أطراف، كان هذا أصعب يوم في حياتي فعلا، ولن أنساه”.

 

واستطردت “أم محمد” قائلة: “إلى اليوم ما قدرت استوعب أنه توفى وأول ما سلموا لنا الجثه جابوا لنا خمسين ألف، هي كامل ما حصل عليه منذ التحاقه بهم، بالرغم من أن هناك أسر ضحايا أعطوهم من مبالغ تصل إلى 400 ألف ريال، وقد شاهدت هذا بعيني، كما أنهم اعتمدوا لهم رواتب شهرية، ونحن لم نحصل على شيء”.

 

تضيف أن والده رفض أن يدفنوه في مقابرهم الخاصة بقتلاهم، وأصر على أن يدفن في المقبرة العامة، كما أنه رفض أن ترفع في جنازته أي شعارات تابعة للجماعة، وأصر على رفع العلم الجمهوري.

 

هذه هي حكاية “محمد”، أحد المراهقين الذين ذهبوا ضحية التغيير وغسل الدماغ الذي تمارسه جماعة الحوثي بحق الآلاف من أطفال وشباب اليمن، هناك قصص لا تحصى لأمهات وآباء خسروا أبناءهم في معركة عبثية، أشعلتها جماعة الحوثي، من أجل أطماعها ومشروعها الظلامي الذي يستهدف اليمن أرضا وإنسانا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق