ترجمات

قصّة “هادي جمعان” .. الشاب الذي تطوع لإعادة جثث القتلى إلى أسرهم (ترجمة خاصة)

اليمن الجمهوري – شبكة إيرين الإنسانية

بعد السير لمدة عشر ساعات متواصلة حاملا على أكتافه جثث الضحايا، قرر هادي جمعان، اخذ قسطا من الراحة، هنالك بعيدا بين الجبال الممتدة بين محافظتي عمران والجوف شمالي اليمن. توقفت سيارته عن العمل، وبدون أي وسيلة نقل أو اتصال، جلس على الأرض وقد أعياه التعب، ولا يوجد وسائل نقل او اتصال. أغمض عينيه، وقد أخذ التعب منه مأخذه، منتظرا شمس الصباح.

بعد مضي ساعات، وقبل شروق شمس الصباح، استيقظ جمعان وتذكر حين أتى كلب ليأكل جثث الموتى، كان مرعوبا واعتقد أن الحياة عادت للموتى, لكنه واصل رحلته الشاقة، غير ابه بالاعياء الذي سيطر عليه طالما وهدفه الأسمى هو إعادة جثث المقاتلين، او ما تبقى من تلك الجثث، إلى أهاليهم.

ثلاثة أعوام وعشرة أشهر مرت، وأكثر من ستون ألف قتيل ولا تزال الحرب لم تضع أوزارها في اليمن.

برفقة فريقة الصغير المكون من بضعة متطوعين، قام جمعان بنقل ما يقارب ٣٦٠ جثة مقاتل، وتفاوض فيما يخص فك أسر حوالي ١٧٠ من أسرى الحرب، بدون أن يتلقى الكثير من الدعم المادي أو التدريب أو حتى قفازات بلاستيكية.

بداية القصة:

جمعان شاب في منتصف الثلاثينات، لم يكن يعلم ان القدر سيجعل منه شخص يقوم بجمع جثث المقالتين. عمل هادي قبل الحرب كناشط مجتمعي في منظمة حكومية تُعنى بالتنمية والتطوير.

لكن في سبتمبر ٢٠١٥ تغير كل شيء عندما أتى قريبا له طالبا منه مساعدته في البحث عن اثنين من إخوته، اختفوا أثناء المشاركة في معارك لصالح الحوثيين في مدينة تعز وسط اليمن.

استطاع جمعان أن يجد الجثث، لكنه أصيب بعيار ناري أطلق بواسطة جندي بعد أن ظن أنه كان مقاتلا في تلك الجبهة لصالح الحوثيين.

“هكذا بدأت قصتي” تحدث جمعان متذكرا دور الوازع الديني الذي جعله يقرر أن يسلك هذا المسار، مضيفا: “عندما رأيت الجثث متناثرة قلت في نفسي، نعم هذه جثث لمقاتلين لكنهم إخواننا ويجب علينا اظهار الاحترام لجثثهم، و ديننا الحنيف يخبرنا عن اكرام الميت ودفنه”.

بعد فترة وجيزة من ذهابه إلى تعز، قام جمعان بتأسيس مجلس تنسيق لحقوق الإنسان، على أمل أن القيام بهذه المهمة كمنظمة غير حكومية سيسهل الكثير من المعوقات.

قام هادي بتجنيد ٧٠ متطوعا،١٢ منهم من النساء، بعد انتشار خبر تمكنه من انتشال ١١ جثه في جبهة نهم شرق العاصمة صنعاء.

انهالت الطلبات المقدمة على جمعان من قبل عائلات المقاتلين المفقودين، على أمل أن يساعدهم في إيجاد مفقوديهم أو إرجاع جثث محبيهم ليتم دفنها.

لم يعد هناك أي وجود للقانون، وأصبحنا نرى معارك بدون توفر أي سيارات إسعاف، ناهيك عن عدم وجود نظام يضمن إعادة القتلى إلى أهاليهم.

مهمة جمعان تقوم على التنسيق مع جميع الأطراف المتحاربة، فهو ينسق مع المتمردين الحوثيين وقيادات عسكرية يمنية لضمان موافقة الأطراف على رؤيته في  كيفية انتشال الجثث من جبهات القتال، ويتطلب الأمر في بعض الأوقات وجوب الاتفاق على وقف إطلاق النار مؤقتا، حتى يتمكن من الدخول في مناطق الاشتباكات والقيام بعمله، والذي قد يأخذ اشهرا من التحضيرات والمفاوضات.

“أقوم بعمل الكثير من الرحلات لمقابلة قادة ميدانيين وضباط و شخصيات اجتماعية، إضافة إلى مقابلة عائلات المقاتلين حتى أتمكن من جمع معلومات دقيقة” يشرح هادي كيف يقوم بعمله. مضيفا أن تكاليف هذه الرحلات يتم تغطيتها من خلال فرض رسوم قليلة على الأطراف المتصارعة، ولا يتم فرض أي تكاليف على المواطنين.

عندما يتواجد هادي في مناطق مشتعلة  بالصراع، يقوم بارتداء ثياب بيضاء، رافعا وشاحا أبيض حتى يتم تمييزه بأنه شخص غير مقاتل، ويجلب أكياسا بلاستيكية وهاتف محمول.

يعرض جمعان حياته للخطر في سبيل أولئك الذين فقدوا حياتهم، فأثناء قيامه بعمله، تعرض للإصابة بالرصاص لمرتين ونجا بأعجوبة من انفجارات حدثت اثناء قيامه بعمله، إضافة إلى فقدانه لثلاث شاحنات كان يستخدمها لنقل الجثث، واحدة منهن تم الاستيلاء عليها من قبل الحوثيين، بينما  تم تدمير الشاحنتين بقصف صاروخي.

لا يعرض جمعان حياته للخطر فحسب، بل يتلقى الكثير من الاتهامات بالرغم من قيامه بهذا العمل النبيل.

يقول جمهان، بنبرة يملائها الحزن،: “إذا قمت  بانتشال جثة وحصل هجوم بعد انتشال الجثة أو قصف صاروخي جوي، يتم اتهامي بالتجسس لحساب أحد الأطراف المتنازعة”.

الجدير بالذكر، تعرض هادي جمعان للسجن حوالي سبع مرات من قبل الأطراف المتنازعة.

بينما يشعر جمعان بأن عمله يساعد نوعا ما بتخفيف ألم عائلات الضحايا، إلا أنه عانى الكثير من الاكتئاب والحزن بعد مشاهدته مناظر مؤلمة أثناء عمله.

يتذكر جمعان قصة لعجوز مسنة أدعت أنها تعرفت على جثة أحد القتلى ونسبتها لابنها، مطالبه بدفن الجثة، وقال: عندما سالتها  لماذا كذبتِ، أخبرته أنها فعلت ذلك حتى تحصل على تعويض من الحوثيين. فقد كان ابنها مقاتلا حوثيا اختفى في الجبهات، وكانت تعتقد بأنه توفى، ويمكنها الحصول على بعض المال في البلد الفقير الذي يعاني من انهيار النظام الاقتصادي والمجاعة في بعض المناطق.

يصف جمعان وظيفته بـ”الانتحارية” و قد سبق   وقرر التوقف عن قيامه بهذه الأعمال لكنه دائما يتراجع عندما تأتي إليه العائلات متوسلة أن يساعدها.  وأنهى حديثه بالقول: “أواصل عملي هذا لكوني أعلم أن ما اقوم بعمله يجلب الراحة ويخفف آلام الآخرين.

رابط المادة الأصلية:

https://www.thenewhumanitarian.org/feature/2019/02/13/unlikely-diplomat-bringing-yemen-s-war-dead-home

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق