الرئيسيةتاريختاريخ الجمهورية

البعثات اليمنية إلى العراق والبعثة العسكرية العراقية إلى اليمن وأثرها في مسيرة الحركة الوطنية

 
أثارت المطامع الإيطالية المشبوهة على اليمن مخاوف عربية واسعة من أن تقع اليمن بيد الاستعمار الإيطالي، وكانت العراق من أكثر الدول العربية خوفا على اليمن، وبادرت لذلك منذ فترة مبكرة بإبداء نصحها للإمام يحيى بالتيقظ للمخاطر التي تتربص باليمن، لكن الإمام لم يلتفت لهذا النصح.
ويبدو أن هزيمة حرب 1934 قد دفعت في بعض جوانبها إلى مضاعفة خيبة الإمام يحيى بأصدقائه الإيطاليون الذين كان يعول عليهم في تزويده بالأسلحة الكافية وأن يعضدوه ضد أعداءه، بل والأكثر من ذلك فإن البوارج الإيطالية قامت ببعض الاستعراضات على السواحل اليمنية أثناء الحرب، ورابطت في ميناء الحديدة جنبا إلى جنب مع البوارج البريطانية، مما أثار حفيظة الإمام يحيى وهواجسه إزاء أصدقائه، إلى الحد الذي بدأ معه يعيد حساباته، ويأخذ النصائح العراقية على محمل الجد.
وكان تلكؤه عن تجديد الاتفاقية مع إيطاليا عند انتهائها في عام 1963 وتجديدها من ثم متأخرا عام 1937، دليلا على أنه بدأ يعيد النظر في حساباته القديمة.
 
وبسبب العزلة التي كان يعانيها الإمام يحيى، وشعوره بضرورة تقوية أوضاعه بدأ بعد الهزيمة يبحث له عن أصدقاء جدد يتقوى بهم، فلم يجد غير العراق الذي كان يعد حينذاك الدولة العربية الوحيدة التي تمتلك جيشا قويا ومسلحا بأسلحة حديثة، هذا فضلا عن أن العراق كان قد حاول مرارا مد يد العون إلى اليمن، وكان الإمام يحيى يرفض قبول العون.
وبمقابل رفض الإمام يحيى لتجديد الاتفاقية مع إيطالي عام 1936، وافق على إرسال بعثة عسكرية يمنية إلى العراق في نفس العام، كما وافق بعد أشهر قليلة على إرسال بعثة عسكرية يمنية أخرى وبعثة ثالثة مدنية.
وتتألف البعثة العسكرية الاولى من: “محي الدين العسني، رئيس البعثة، ومحمد عبدالخالق حجر وأحمد إسحاق وعبدالله السلال، ومحمد الريدي، أحمد طاهر، وحسن العمري، ومحمد صالح العلفي، ومحمد عامر، وأحمد المروني”.
في حين تألفت البعثة العسكرية الثانية إلى العراق من: “حمود الجائفي، وأحمد الثلايا وسلام الرازحي، وأحمد الحيمي، ومحمد عبدالولي”، بينما تألفت البعثة المدنية من: “زيد عنان، أحمد حورش،علي الآنسي، علي رجاء”.
 
وكتتويج للعلاقة التي أخذت تتقوى مع العراق وافق الإمام يحيى على وصول بعثة عسكرية عراقية لتدريب الجيش اليمني، فوصلت البعثة العراقية عام 1940 إلى صنعاء، وكانت مكونة من: “العقيد إسماعيل صفوت، رئيسا للبعثة، والمقدم محمد حسن، معلما للجيش الدفاعي، والرئيس جمال جميل، معلما للمدفعية، والرئيس عبدالقادر الناظمي، معلما للإشارة، والملازم سيف الدين، معلما للكلية الحربية”، إلى جانب مجموعة من صف الضباط الذين توزعوا بحسب الاختصاصات.
 
وقد كان لعودة أعضاء البعثتين العسكريتين من العراق عام 1938، والبعثة المدنية عام 1939 أثره الكبير على الحياة الراكدة في اليمن، فقد عاد أعضاء هذه البعثات وهم يحملون الأفكار العصرية الحديثة، فأخذوا يذيعون أفكارهم على الناس وينقلون إليهم مشاهداتهم وانطباعاتهم التي شاهدوها في الخارج، ويعقدون المقارنات بين ما رأوه وما هو واقع في اليمن.
وقد شكل هؤلاء الشباب العائدون معلما من المعالم البارزة في مرحلة تأسيس الحركة الوطنية، ولا ينحصر دورهم على نقل مشاهداتهم وانطباعاتهم المخالفة كليا لما كان واقعا في أواخر الثلاثينات في اليمن وحسب، ولكن أخذ هؤلاء الشباب أيضا يوجهون حملاتهم العنيفة إلى النظام الإمامي الفاسد ويصورونهم أبشع تصوير.
وأول من ظهر على ساحة الحركة الوطنية من هؤلاء هو المشير عبدالله السلال، والفريق حسن العمري، والملازم أحمد المروني، والملازم محمد الريدي، والملازم أحمد الثلايا واللواء حمود الجائفي، والمرحوم سلام الرازحي.
وامتد أثر هؤلاء إلى الجيش أيضا، فأخذوا يقارنون بين الأوضاع الفاسدة وأوضاع الأمم الأخرى اجتماعيا وعلميا وتربويا وعسكريا وسياسيا وفي مختلف المجالات، بل وقد بادر المشير عبدالله السلال والملازم أحمد المروني بالمساهمة الوطنية في نطاق التدريس وفي توعية الطلبة توعية وطنية.
وأتاح افتتاح المدرسة الثانوية في عام 1939 بعد فترة وجيزة من وصول البعثة المدنية، المجال أمام هؤلاء الشباب لبذر أفكارهم الوطنية المتنورة في رؤوس طلبتهم فكانوا يقسمون حصصهم الدراسية إلى فترتين، إحداهما للدروس والأخرى للتوعية الوطنية، وانضم إليهم للتدريس بجانب السلال والمروني أحمد البراق، وأمر الإمام باعتقال السلال والمروني عام 1939 واستمر الاعتقال الأول تسعة أشهر.
وبعد صول البعثة العراقية عام 1940، بدأت بمزاولة أول أعمالها بدراسة أوضاع الجيش اليمني من النواحي المعيشية والإدارية والعسكرية والثقافية، وتم لهم أثناء تدارسهم لأوضاع الجيش الاطلاع على أوضاعه البائسة ومعاناته التي لا تكاد توصف، فخرجوا في تقريرهم عن وصف الأوضاع التي رأوها بالقول إنهم لم يروا ولم يقرأوا ولم ييسمعوا عن رداءة أي جيش في العالم كما رأوه في أوضاع الجيش اليمني في ظل حكم الإمام يحيى.
وبدأوا من أجل مواجهة الأوضاع الرديئة للجيش برسم مخطط عملهم كالتالي:
* تأليف الكتب النظرية عن الأسلحة الثقيلة والخفيفة التي يمتلكها الجيش اليمني.
* وضع البرامج التعليمية العلمية للجيش الدفاعي والمدفعية والكلية الحربية ومدرسة الإشارة.
* الاستعانة ببعض الضباط المتخرجين من العراق لمساعدتهم في مهمتهم.
ومن الذين استعانوا بهم المشير عبدالله السلال الذي فتح مدرسة الإشارة في الجيش الإمامي المظفر، وعين مديرا لها، واستمر مديرا لها إلى يوم الثورة، والنقيب أحمد المروني الذي ساهم في فتح مدرسة الإشارة وساهم في التدريس معهم في الكلية الحربية النقيب محمد حجر.
 
وكانت البعثة العراقية قد استصحبت معها أجهزة تليفونية ولاسلكية وكافة ما تحتاجه مدرسة الإشارة، واستطاعوا تنفيذ مخططهم في تغيير الأوضاع، والقضاء على شراسة الطباع وروح التمرد التي كانت سائدة في الجيش، وغرسوا في نفوس الجنود والضباط التقاليد العسكرية القائمة على الطاعة والضبط والربط، وقاموا بعد وصول البدلات العسكرية لهم بتشكل الفوج الأول الذين قاموا بتدريبه تدريبا حسنا، وتعيين الرائد محمد عبدالله حميد قائدا له.
وشكلوا الفوج الثاني بقيادة الرائد أحمد الثلايا، ودربوه وأحسنوا تدريبة، وأعطوه ما يحتاج من الملابس العسكرية، وعندما لاحظ أذناب الإمام يحيى التغيير الذي بدأ يطرأ على الجيش أخذوا ينشرون الدعايات ويصورون الملابس الجديدة للجند بأنها تضارع ملابس النصارى التي يحرمها الإسلام، ووصلت هذه الدعايات إلى الإمام يحيى فاستروجها هو وأفراد أسرته، وبيّت النية في القضاء على هذه المؤسسة الوليدة التي رأى في وجوجها خطرا على نظامه.
وحين لاحت له الفرصة أصدر أوامره بإرسال الفوج الأول إلى تعز، وهناك مزقه سيف الإسلام أحمد شر ممزق، وحول جنوده إلى مرتزقة يبعثهم إلى عمال المناطق لمساعدتهم في اختلاس الفلاحين باسم الزكاة، وأصدر أوامره بإرسال الفوج الثاني إلى صعدة مع قائده الرائد الشهيد أحمد الثلايا.
 
ولم يكتف الإمام يحيى ومرتزقته بذلك، بل ظلوا يضعون العراقيل لتطوير الجيش، وحاولوا من خلال أمير الجيش المظفر علي بن إبراهيم وأحمد المهدي، وعملائهم مضايقة العسكريين اليمنيين خريجي العراق منذ وصولهم إلى اليمن مباشرة، حتى لا يتمكنوا من الإسهام في تغيير أوضاع الجيش، وامتدت محاولاتهم إلى البعثة العراقية العسكرية، فعملوا على مضايقة أفرادها وعلى حث أفرد الجيش على التمرد والعصيان ضدها، ومعارضة كل مشروع تتقدم به لإصلاح أوضاع الجيش، كما حاربوا طلبة الكلية الحربية في صنعاء بكافة الوسائل.
واستطاعت البعثة العراقية خلال فترة وجودها في اليمن تدريب ثلاث دفعات من طلبة الكلية الحربية، تخرجت الأولى قبل سفرها سنة 1941، والثانية تتألف من خمسة وثلاثين طالبا وتتألف الدفعة الثالثة من ستة وعشرين طالبا، وقد رفض الإمام يحيى الموافقة على تخرج الدفعة الثانية بعد إنهائهم مدتهم القانونية ودراستهم المحددة لهم، وبعد أخذ ورد لأكثر من عام بين جمال جميل وبين السلطة المتوكلية وافق الإمام يحيى في أوائل عام 1944 على تخرجهم وأقيم لهم حفل كبير حضره الإمام يحيى وأنجاله ورجال حكومته.
وفي كلمة جمال جميل، التي ألقاها بالمناسبة، تنويه واضح إلى خوف السلطة الإمامية من تأسيس جيش يمني قوي، وأشار مباشرة إلى أن الجيش لصيانة استقلال اليمن ولا يشكر خطرا على أحد سوى أعداء اليمن.
وعلى الرغم من أن الإمام يحيى لم يذكر سببا واضحا على اعتراضه على تخرج هذه الدفعة من ضباط الكلية، إلا أن السبب كان – كما يبدو – سماعه عن تأثر هؤلاء الطلاب في دراستهم الثانوية بأستاذهم الحورش ومحي الدين العنسي، وغيرهم من الشباب ممن ينظر الإمام إليهم بعين الريبة.
وأبرز ضباط الدفعة الأولى التي تخرجت تحت إشراف البعثة العراقية عام 1941 هم:
الملازم علي حمود السمة استشهد في حركة 1955
الملازم حسين الجناتي استشهد في حركة 1955
الملازم حسين السكري.
الملازم محمد العمدي
الملازم عبدالله البصراوي
الملاحزم أحمد مثنى
الملازم أحمد عقبات.
وأبرز ضباط الدفعة الثانية التي أشرفت عليها البعثة العراقية ولم تتخرج إلا عام 1944، بعد سفر البعثة هم:
الملازم علي صالح العمراني من شهداء ثورة 1948
الملازم أسماعيل العلفي استشهد عام 1965
الملازم حسين عنبة
الملازم علي الربيدي
الملازم علي العرشي
الملازم غالب الشرعي
الملازم علي عنقاد
الملازم عبدالله زبارة
الملازم عبدالله زبارة
الملازم محمد مفرح.
الملازم محمد الحيمي
الملازم أحمد رزق عبده
الملازم علي عبدالله العلفي
الملازم علي العنسي
 
وهكذا فقد شكل الشباب العائدون من العراق والبعثة العراقية وطلبتهم رافدين هامين في تيار الحركة الوطنية في أوائل الأربعينيات، ويمكن القول إن الحركة الوطنية عام 1941، كانت تتشكل من ثلاثة مجموعات أساسية.
الأولى: مجموعة الشهيد أحمد المطاع وهو ضابط في الجيش، وتتكون من “عبدالله العزب، والعزي صالح السنيدار، وأحمد المحلوي، وأحمد الوريث، وعلي الشماحي”، وقد تم اعتقالهم عام 1936، ومبرر الإمام وأعوانه أن سبب اعتقال المطاع وجماعته الوطنيين أنهم اختصروا القرآن.
الثانية: مجموعة من ضباط البعثات العسكرية والمدنية المتخرجين من العراق.
الثالثة: مجموعة المتخرجين من الكلية الحربية بصنعاء من تلاميذ البعثة العسكرية العراقية.
 
*المصدر/ ثورة اليمن الدستورية – مجموعة من رموز الثورة اليمنية (المشير عبدالله السلال -العقيد حسين عنبه – العميد حسين الدفعي – المقدم مجاهد حسن غالب).
 
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق