أخبار المحافظاتالرئيسيةتقارير

الإمامة والمواطن السخرة وفرحة أبي وقريتي بثورة سبتمبر المجيدة

 

محمد شبيطة

 

قبل ثورة سبتمبر بأيام قرر الإمام ونائبه في ( لواء إب ) شق طريق من العدين إلى إب، وهذا القرار بالطبع لن يكلفهم قيمة كوب من الشاي، لأن المواطن ” السخرة ” حين ذاك متوفر وبكميات كبيرة، وهذا الكائن الذي يسمى مواطن ليس له في مملكة ( مولانا ) أي قيمة أو اعتبار، إلا عندما ينادى عليه لتنفيذ كل الواجبات، والزكاة، وعمل السخرة الذي يقوم به عندما يريد مولانا وعماله وخدمه، ومقابل ذلك فليس هناك وجود لأي حقوق للمواطن من قبل الدولة وليس هناك وجود لها، إلا ما كان يسمى حاكم أو ما يسمى بالعامل حق الإمام الذين يقومون بفض المنازعات والخلافات بين المواطنين.

 

ولأن موضوعنا هو طريق العدين إب فإننا سنختصره بيوم وحيد من عمل السخرة الشاق هو يوم 25سبتمير 1962 أي قبل ثورة 26سبتمبر بيوم ، حيث كان على أبناء العدين أن يشقوا طريقا إلى إب وتم تكليف كل قرية بشق مسافة معينة أو مقطع.

 

وكان نصيب أبناء قريتي “النخلة ” أن يقوموا بشق طريق بدأ من المنطقة الجبلية المحاذية لوادي الدور باتجاه منطقة حدبة، وكان المواطن مغصوبا ليعمل بنظام السخرة منفذا لأوامر الإمام ونوابه وعماله وخدمه من المشايخ، وكان على كل مواطن وهو يشق الجبال سخرة من أجل (مولانا) أن يتحمل نفقة مأكله ومشربه من بيته ويعمل من ساعات الصبح الأولى حتى مغيب شمس اليوم .

 

وفي ذلك اليوم 25سبتمبر وصل أحد خدم الإمام أو عماله إلى منطقة العمل التي يعمل بها أبناء النخلة، ففرح بمجيئه عمال السخرة لكي يشكون له حالهم، بأن الجبل الذي يعملون به صعب للغاية بسبب نوعية أحجاره وأنهم استخدموا الصبرة والزبرة وغيرها من الآلات، ولكنهم لم يقدروا على صلابتها.

 

لكن جنابه قال لهم متعاليا من فوق بغلته والله إنكم ستشقونها بأسنانكم إن لم تقدروا عليها بالصبرة والزبرة وغيرها !، وبما أنهم يخضعون لسلطة القوة الغاشمة لم يكن أمامهم إلا تنكيس رؤوسهم قائلين الله يفعل ما يريد، وواصلوا عملهم الشاق والعرق يتصبب من جباههم، والدماء تسيل من جروح أطرافهم من أياديهم وأرجلهم التي أحدثتها الصخور والتي تمتزج بجروح وخدوش أخرى وهي الأهم جروح كرامتهم الإنسانية .

 

وعند مغيب شمس ذلك اليوم وهو موعدهم اليومي لرفع رؤوسهم من الأرض، عادوا مساءاً حفاة الاقدام متنقلين بين الهضاب والجبال إلى القرية منهكين من تعب العمل الشاق وقهر خادم الإمام وقهر الزمان ، وجبروت ، وبطش القوة ..

 

وناموا تلك الليلة على أنغام وإيقاعات أوجاع الأجساد ، والقلوب ، يتجرعون مرارات الظلم وفقدان الكرامة وكانت خدودهم السمراء الذابلة بفعل الشموس تتوسد تلك اﻵلام وعذابات القهر اليومي وقسوة وجبروت الأيام منتظرين يوما قادما يكرر ما كان بالأمس…

 

وفي بكور اليوم الثاني يوم 26سبتمبر 1962 قاموا من نومهم عائدين إلى مقتلتهم اليومية للعمل راضخين لقهر القوة الغاشمة وعند وصولهم الساعة السابعة صباحا إلى قرية السبلة أوقفهم أحد أبنائها وهو المرحوم محمد عبدالرحمن حيث كان يمتلك راديو، قائلا لهم وهو مبتهج أين سارحين ياجماعة؟.

 

اليوم قد جمهرت صنعاء وأعلن الراديو حقي أن قد السلال رئيس جمهورية وأن الإمام قد مات !، فعادوا مسرعين باتجاه القرية والفرحة الكبرى وأسارير الدنيا تجلل جباههم ودموع الفرح في تلك اللحيظات تغسل غبار التاريخ من خدودهم.

 

وكان من بقى منهم أحياء ولا يزال بعضهم يحكون لنا هذه القصص ويقولون أن كل أفراح الدنيا في ذلك اليوم الأغر كانوا يعيشونها، فوصلوا إلى القرية مرددين جمهورية جمهورية لا ملكية ولا رجعية .

 

حتى اختلط على الناس أفراحهم بالمعاني والمسميات الجديدة فعرفوا أن الجمهورية هي التحرر من القهر ، والذل ، والسخرة ، والإستعباد، وبعد ذلك خرج الناس من القرية والقرى المجاورة أفرادا وأفواجا ملتحقين بجيش الثورة والجمهورية راغبين غير مسخرين ، وأعينهم لم تكن تتجه ناحية المال أو بنات الحور وخمور وعسل الجنان الخضر، وإنما كان هدفهم هو التحرر من الاستبداد وكاهن ذلك الزمان، وعماله وخدامه الذين جعلوا منهم مجرد كائنات سخرة لا كرامة محفوظة لهم ولا مواطنة تحميهم …

 

إذن فالثورة والجمهورية حققت لليمنيين وأنا واحداً منهم، الكثير من الطموحات والأحلام، ويكفيني أن أعيش لحظات وتفاصيل أفراح عاشها أبي وجميع أبناء قريتي في ذلك اليوم المجيد ويوم مولدهم الجديد ، وانتهاء عبودية السخرة .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق