أخبار المحافظاتالرئيسيةتقارير

الإمامة سبب مصائب اليمن في الماضي والحاضر

من خلال جولة سريعة على المراحل التي مرت بها اليمن منذ مطلع القرن العشرين، يتضح أن الإمامة كانت وراء الكثير من المعضلات التي نتج عنها واقع مشوه، وبيئة متخلفة، وتكريس مريع لثقافة الجهل والانعزال، حتى أصيبت البلاد بما يشبه “التوحد السياسي”، وصارت اليمن كأنها قطعة من القرون الغابرة.

قاوم الإمام يحيى أي محاولات أو دعوات للانفتاح على العالم، وحجته كانت الحرص على ألا تدخل وسائل الفجور والكفر إلى #اليمن، حتى أنه كان يرفض مجرد الحديث في هذا الشأن، وبذلك حرم اليمن من كثير من الوسائل الحضارية التي كان بإمكانها أن تخفف من معاناة الشعب اليمني.

حرم الإمام يحيى، منذ تولى الحكم في 1904، اليمن من أسباب الحياة التي كان بإمكانها أن تحول دون وفاة الآلاف جراء الأمراض المزمنة والخطيرة التي حدثت خلال تلك الفترة، كما حرم اليمنيين من وسائل النقل والاتصالات الحديثة، ونجح إلى حد كبير في جعلها معزولة كليا عن العالم.

وفي حين كان العالم يقطف ثمار الثورة الصناعية، كانت الخرافات والدجل هي التي تحكم اليمنيين، ويتجرعون مرارتها، على شكل أمراض وفقر وجهل، وهذا ما لخصه العديد من الرحّالة الذين قدموا إلى اليمن، ووصفوها بأنها تشبه قطعة من الجحيم، نظرا للوضع الكارثي الذي يعيشه سكانها.

كان الإمام يحيى حينها يخشى من مد التنوير الذي كانت رياحه تهب من مصر وبلاد الشام والعراق أيضا، خشي أن يؤدي انفتاح اليمن إلى وصول ذلك المد إليها، وكان أكثر ما يفزعه هو تلك الأطروحات التي تضمنتها الإنتاجات الثقافية والفكرية لعمالقة التنوير آنذاك، بالإضافة إلى الثورة في تركيا.

ظلّ الإمام يحيى صلبا أمام دعوات الإصلاح والانفتاح والاستفادة من التطور الحضاري الذي يشهده العالم، ولم يقتصر الأمر عند ذلك، بل إنه رفض إجراء أي تحديث في إدارة الدولة وهيئاتها، وظل متمسكا بالنظام التقليدي في إدارتها، فلم يكن هناك أنظمة ولا لوائح ولا قوانين تنظم أعمال الدولة.

لم يختلف الوضع كثيرا في عهد الإمام أحمد (1948 – 1962)، عن عهد والده “يحيى”، فلقد حرص “أحمد” على تكريس ثقافة الجهل والتخلف، كجدار عازل يقيه لفحات الانفتاح التي من الممكن أن تخلق وعيا شعبيا، ينتج عنه المطالبة بالحق السياسي والفكري والثقافي.

وبالرغم من استجابته للضغوط التي أصرت على أنه من المستحيل عليه أن يتجاهل ضرورة التحديث، قام الإمام أحمد بإرسال بعض البعثات الطلابية للدراسة في الخارج، كما عقد بعض الاتفاقيات مع بعض الدول الكبرى، إلا أنه حرص على أن تكون نتائج تلك الإجراءات في مصلحته.

وحدث ما كان يخشاه الإمام أحمد، حيث كانت تلك البعثات، هي قنوات الاتصال الأولى بين اليمنيين، والعالم المتغير حولهم، ولقد عاد الكثير ممن ذهبوا في تلك البعثات، ليقودوا الحركة الوطنية في اليمن، علما بأن بعضهم أيضا كان قد خرج في عهد الإمام يحيى، وعاد مطالبا بالإصلاح.

استخدم الإمام أحمد كل الوسائل للتشنيع بقيادات الحركة الوطنية، واتهمهم بأنهم مارقين ومخالفين وحاقدين وخونة، بل وكرس حكما ثيوقراطيا، ووصل به الأمر إلى حد الادعاء بامتلاك كرامات من الله، تجعل الخروج عليه سبيلا للخروج من الدين، ولأن الجهل هو السائد، كانت هذه الأكاذيب تلقى رواجا.

ومضى الإمام في غيه وتغييبه لملايين اليمنيين الذين كانوا من وجهة نظره مجرد بلاء ابتلي به آل حميد الدين، وبدلا من أن يعمل على تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة، كرس سياسة التجويع والإفقار والإرهاب، حتى صار اليمني يعجز عن شراء حذاء، فضلا عن الحصول على الخدمات الصحية وغيرها.

وبينما كان العالم يتقدم، والحضارة تداهم الدول في محيطنا، كانت سفينة اليمن تبحر نحو الماضي، نحو الظلام، لا شيء يدل على أن اليمن جزءً من العالم في خمسينات القرن الماضي، كان الداخل إليها، يشعر بأنه انتقل إلى حقبة تاريخية مظلمة، وظل الأمر كذلك إلى أن جاءت الثورة المباركة في 26 سبتمبر.

كانت الثورة قدر الله الجميل لهذا الشعب البائس، وتحققت معها طموحات طلائع الأحرار، والذين سارعوا للتواصل مع العالم، وبدأ العالم يسلط الضوء على هذه البقعة الجغرافية التي كانت مجهولة بالنسبة له، وانتصر منطق التحديث عن منطقة الرجعية، ومضت سفينة الوطن إلى الأمام برغم المؤامرات.

نجح الأحرار أخيرا في تثبيت النظام الجمهوري بعد القضاء التام على آخر محاولات فلول الإمامة عام 1968 بإسقاط حصار صنعاء المعروف بـ”حصار السبعين يوما”، واستمرت البلاد في السير بالرغم من الرواسب الكثيرة التي خلفتها حقب الظلام السابقة، حتى تحققت الوحدة.

لم يكن الخطر الإمامي قد انتهى، لكنه ظل كامنا في جسم الدولة، يبرز بين الفينة والأخرى مستفيدا من الخلافات بين الأطراف الوطنية، حتى وثبت وثبته الأقوى في 21 سبتمبر 2014، وذلك بعد أن وصلت الخلافات بين الأطراف اليمنية مرحلة غير مسبوقة، ما منح الإماميون الجدد فرصتهم التاريخية.

عاد الحوثيون، وعادت معهم أحلام الأئمة، وشرعوا في استهداف مؤسسات الجمهورية، ونفذوا حملات واسعة للاستيلاء على مؤسسات الدولة بنفس طائفي إمامي، وتحقق لهم الكثير مستفيدين من اتساع هوة الخلاف بين اليمنيين، وكانت أولى خطوات الحوثيين هي الاستفادة من العناصر الإمامية الحاقدة على الجمهورية.

تنبه اليمنيون وإن كانوا متأخرين، لهذا الخطر الذي يوشك على التهام كل شيء، بما في ذلك جمهوريتنا المباركة، وبدأوا بالانخراط ضمن مشروع وطني مقاومة للإماميين الجدد، وبالرغم من المشاكل والعقبات، إلا أن التعويل كبير على اصطفاف وطني لمواجهة خطر الإمامة بثوبها الجديد.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق