تاريختاريخ الإمامة

جانب من معاناة رموز “ثورة 1948” في سجون الإمامة بحجة

 

كانت سجون الأئمة، من أكثر الأشياء قتامة في تلك الحقبة المظلمة، وبالرغم من أن اليمن كانت عبارة عن سجن كبير، إلا أن السجون كانت أيضا سمة مميزة لحكم آل حميد الدين.
وفيما يلي نترك القارئ الكريم مع رواية المناضل أحمد محمد نعمان، لما عانوه عقب فشل ثورة 1948، في سجن الإمامة في حجة، وكيف كانوا يتعاملون مع السجناء من الأحرار والعلماء، وأيضا الحرب النفسية التي كانوا يمارسونها عليهم..
يقول نعمان:
ألقي القبض علينا في ذمار بعد فشل ثورة الدستور، ونقلنا من هناك إلى معبر، ثم من معبر إلى حزيز، ثم صنعاء ثم الروضة، ومن ثم تم نقلنا إلى حجة، وقد استغرق السير ستة أيام، إلى أن صعدوا بنا جبل حجة عند الإمام أحمد، فلما وصلنا إلى هناك جاء المسؤولون (الأحرار) الآخرون الذين جيء بهم من الحديدة ومن صنعاء، فالتقينا أفواجا أفواجا، المشائخ والضباط والمتعلمين كلهم مقيدون بسلاسل، منهم من شدخت رؤوسهم، ومنهم من كانوا ملوثين بالدماء، وبعضهم ألقيت عليهم الأتربة مثل حسيد الكبسي الذي كان يسمى مندوب اليمن المستمع في الجامعة العربية، ثم أصبح وزير الخارجية في الحكومة الدستورية.
التقت الحكومة الدستورية كلها، ثم ساقونا إلى سجن اسمه “نافع”، وكان عبارة عن طبقات تحت الأرض، ومؤلف من غرف ليس فيها حصير، باستطاعتنا أن نسميها دهاليز، وضعونا خمسين هنا، وتسعين هناك، كنا ركاما بعضنا فوق بعض، فلا يدخلون الشخص إلى هناك إلا بعد أن يضغوا في رجليه ثلاثة من قيود الحديد، أما الذين يتشددون معهم فيضعون لهم قيدا يسمى المرود، في وسطه قطعة من الحديد ثقيلة.
والبعض في أقدامهم السك، وهو عبارة عن وصلة من الحديدة ليس فيها حلقات، توضع ما بين الساقين حتى لا يستطيع الحركة، وقد وضعوا لي – والحديث لأحمد محمد نعمان – هذا السك، ووضعوا اثنين من القيود المتحركة في أسفل الساقين وثالث ملزوز بالرجلين، بهذا الشكل لا أستطيع الحراك أبدا، وبعد أن انتهوا من وضع هذه السلاسل قالوا لي: قم يا عدو الله وعدو الأمام، فقلت لهم: كيف أقوم بعد أن وضعتم لي أسطولا من الحديد؟، فأخذوا يدفعونني بالقوة قائلين: عادك عادك تتلغلغ؟، (يقصد عادت تتحاذق، أو تمزح)، وحملني الذين كانت قيودهم أخف حملا على ظهورهم، إلى أن وصلنا القاعة مع المجموعة..، وكنا كالمرضى كلٌ يئن في مكان من أثقال الحديد..
استمر الحال على هذا لمدة 18 يوما، وجميعنا لا يستطيع الحركة، ثم بدأت المناداة للاستعداد لقطع الرؤوس، فكانت تأتي الأوامر من تعز تلغرافيا، لأن الإمام أحمد ترك حجة، وذهب إلى تعز منتصرا على أعداءه جميعا، أدخلهم السجن وذهب، وابتدأ الآن يجري الأحكام غيابيا على المسؤولين بالتهم التي تثبت عليهم وإدانتهم، وكل من أدين بعث أمرا بقطع رأسه، فيأتي أحد السجانين وينادي باسم الشخص الذي صدر عليه الحكم، يعلم أنه ذاهب إلى الإعدام فيودع إخوانه ويذهب.
أما نحن – والكلام لـ”أحمد نعمان”، فكنكا نصاب بشيء من الشلل في نفوسنا، وجفاف وزهد في كل شيء، وكل واحد منا ينتظر الموت، عندما كان يعود السياف الذي يقطع الرؤوس ويقول اليوم انتهينا، نبدأ نتحرك لتناول الطعام، وعندما كانت تعترينا حالة الشلل النفساني، كنا نتسائل هل السبب الألم على الذين ذبحوا أم خوفا من أن نذبح ؟، ولكن ثبت أنه خوف من أن نُذبح، لأننا بعد أن نأمن أننا غير مذبوحين اليوم نتهيأ للأكل.

المصدر/ مذكرات أحمد محمد نعمان

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق